{ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَبْنَا } أخبرنى ما دهانى إذ أوينا { إِلَى الصَّخْرَةِ } هى التى رقد عندها موسى ، وهذا عند بحر طنجة ، ألا ترى قصة وجود حوت كالمأكول في بحرها ، وألا ترى أن في ذلك المغرب مدينة يقال لها مدينة الجدار ، وغير ذلك مما تذكره المغاربة ، وشهر أن ذلك عند بحر الشام ، ويقال: إن الصخرة هى التى دون نهر الزيت ، سمى لكثرة أشجار الزيت على شاطئه .
ويروى أنهما خرجا من الشام إلى جهة أرمينية ، فانتهيا إلى الصخرة التى قال الله لموسى: إنك تجد عندها العبد الصالح الذى تطلبه ، ولما انتهيا إليها توسدها وقام ، فاضطرب الحوت بمس ماء الحياة ، فدخل البحر بمرأى فتاه ، وأشفق أن يوقظه ، ونسى بعد استيقاظه ولم يشتد حفظه لكثرة ما عاهد عند موسى من أمثال ذلك .
{ فَإِنِّى نَسِيتُ الْحُوتَ } إذ أوينا إلى الصخرة ، أى نسيت شأن الحوت الذى جعل لى علامة .
{ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلاّ الشَّيْطَانُ } وقوله { اَنْ أَذْكُرَهُ } بدل اشتمال من الهاء ، والمنسى هو الله جلا جلاله ، وإنما نسب الإنسان إلى الشيطان هضمًا لنفسه ، كأنه قصر فخدعه الشيطان ، مع أنه مستغرق القلب في أمر الله ، ولم يتحمل هذا الاستغراق مع مراعاة شأن الحوت لنقصان البشر طبعًا .
{ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ عَجَبًا } الحق أن هذا من كلام الله ، وفاعل اتخذ ضمير موسى والهاء له أو للحوت ، أو كلاهما للحوت سبيلا عجبا كأنه نفس العجب ، أو معجوبا به أَو ذا عجب ، وهو طريق في البحر لا ماء فيه سقفه وجدره ماء ، بقى كذلك من حين سلك حوته في البحر ، وهاء سبيله للحوت ، ويجوز عوده لموسى ، وفى البحر متعلق باتخذ ، وسبيل مفعول أول ، وعجبا ثان أو اتخذ له مفعول واحد أو ثانيه في البحر ، وعجبا حال أو مفعول مطلق ، أى اتخاذًا عجبا .