{ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنفْسِى } من شأْن الملوك أَن يؤثروا أَنفسهم بما هو نفيس كأًرض في الربيع زاهرة وجوهرة لا يوجد مثلها ، ووزير عظيم الشأْن وعالم ماهر ، فاختار يوسف مختصًا به لكماله صبرًا وعلمً وإِحسانًا وأَدبًا وعبيرًا وورعًا ، وهذا جواب لمحذوف أَى لما عبر الرؤيا قال: { إِيتونى به أَستخلصه لنفسى } فيكون ثانيًا إِيتونى به أَختص به لأَمانته وفوائده ، فعاد الرسول الأَول إِلى يوسف في السجن بعد التعبير وهو في السجن وقال: أَجب الملك في الحين واطرح ثياب السجن والبس ثيابًا حسناة جددًا ، واغتسل ، فقام وودع أهل السجن ودعا لهم ولأَهل السجن مطلقًا: اللهم عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأَخبار ، قيل: فمن ذلك يوجد في السجن من الأُخبار ما لا يوجد في غيرها ، ثم اغتسل وليس ثيابًا حسنة ، وكتب على باب السجن من خارج: هذا بيت البلوى ، وقبر الأَحياءَ ، وشماتة الأَعداءِ ، وتجربة الأَصدقاءِ ودخل على الملك فكلمه وشاهد منه الملك الرشد { فَلَمَّا كَلَّمهُ } وشاهد منه ما يوجب الرغبة فيه ، والضمير في كلم ليوسف والهاءُ للملك ، سلم عليه بالعربية فقال الملك: ما هذا اللسان؟ قال: لسان عمى إِِسماعيل ، ودعا له بالعبرانية فقال الملك: ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائى ، وكان الملك يتكلم بسبعين لغة ولا يعرف العربية والعبرانية ، وكلما كلمه بلسان أَجابه بما تكلم به وزاد بالعربية والعبرانية ، فأعجبه أَمره مع صغر سنه ابن ثلاثين سنة فأَجلسه إِلى جنبه ، وقيل: الضمير في كلم للملك والهاءُ ليوسف؛ لأَن الداخل بالسلام والثناءِ فكذا فعل يوسف ، وقد روى أَنه لما أَراد الدخول قال: حسبى آخرتى من دنياى ، وحسبى ربى من خلقه ، عز جارك ، وجل ثناؤُك ، لا إِله غيرك ، ولما دخل على الملك قال: اللهم إِنى أَسأْلك من خيره وأَعوذ بعزتك وقدرتك من شره ، ولكن هذا قد يقوله سرًا ، أَو حيث لا يسمعه الملك ، ويقدر فأَتوا به ، ودخل على الملك فكلمه فلما كلمه ، والحذف للدلالة على سرعة الإِتيان به ، كأَنه اتصل بقوله: فلما كلمه ، وروى أَنه قال له: أَحب أَيها الصديق أَن أَسمع تفسير رؤْياى من لسانك ففسرها كما ذكرها عنه الرسول بلا نقص ولا زيادة ولا تقديم ولا تأْخير ، ولم يكن حاضرًا مع النسوة في المجلس ، وزعم بعض أَنه حاضر ، وأَن معنى إِتونى به قربوه إِلى { قَالَ } الملك { إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ } الظرفان متعلقان بمكين ، والمراد باليوم عصرى { أَمِينٌ } ذو تمكن ورسوخ في قلوبنا وملكنا ، والجاه على أَموالنا وأَحوالنا من أُمور السلطنة والوزارة ، وقيل: أَمين من كل مكروه لا تخاف مما مر عليك ، فماذا ترى أَيها الصديق في أَمر السبع الخصبة والسبع المدية؟ قيل: ابتلاهم الله بالسبع المجدبة لأَنه أَقام في السجن سبعًا وهو مظلوم ، فقال: أَجمع الطعام وأَكثر الحرث في السنين المخصبة وأًخزن الحبوب للناس ، والتبن والقصب أَيضًا للدواب ، وتأْمر الناس أَن يرفعوا الخمس من زورعهم فيكفيك لأَهل مصر ومن حولها ، ويأْتيك الناس من سائِر النواحى للميرة فيجتمع عندك من الكنوز مالم يجتمع لأحد قط ، ولو زرعت على حجر لأَنبت وأَثمر؛ وذلك من الله - D - ، وروى أَنه لما قال: أُحب أَن أَسمع منك قال: رأَيت سبع بقرات سمان خرجن من النيل يقطرن لبنًا ونظرت إِليهن معجبًا فغار النيل فخرج من طيبنه سبع عجاف بأَنياب وأَضراس ، وأَكف الكلاب وخراطيم السباع فأَكلن لحوم السمان ومخهن ، وأَنت تنظر معجبًا إِذا لم يسمن ، ورأيت سبع سنابل خضرًا وسبعًا يابسات في منبت واحد ماءٍ ، وترى وأَنت تتعجب في اختلافهن مع اتحاد المنبت فهبت ريح أَضرمت اليابسات على الخضر فانبهت مذعورًا ، فقال: والله ما أَخطأْت فيم رأَيت في المنام ، وما رؤْياى بأَعجب من علمك به ، كأَنك الرائِى ، ومن تفسيرها ، ولما قال: اجمع الطعام فتأْتيك أَهل النواحى للميرة ، قال: من لى بذلك الحرث والخزائِن وذلك التصرفات وأَهل مصر كلهم لو جمعتهم ما طاقوا ذلك ، وليسوا مأْمونين على ذلك فمن يكفينى ذلك؟ فقال يوسف ما قال الله D عنه: