فهرس الكتاب

الصفحة 2270 من 6093

{ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ } خوف الغرق ، فإن الخوف ضر أو الضر ما تخافون به الغرق كشدة موج البحر ، ودخول طرفها في تراب أو شق جبل ، أو تعرض سمكة عظيمة لها ، وشدة الريح وضرب جبل .

{ فِى الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ } تطلبون أو تعبدون { إِلا إِيَّاهُ } كانوا يعبدون معه ويطلبون الآلهة ، فإذا مسهم الضرّ لم يطلبوا ولم يعبدوا إِلا الله ، لعلمهم أنه لا ينجيهم من الضر إلا الله ، فضلَّ بمعنى ذهب عن خواطركم ، أو ضلَّ عن إغاثتهم أى لم ينفعكم ، أو لم يهتد إِلى نفعكم ، وإن لم تعتبر عبادتهم الله وطلبه لقلتها منهم ، أو لبطلانها بالإشراك فالاستثناء منقطع .

{ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ } من الغرق { إِلَى الْبَرِّ } ونجاهم على ما مضى منهم من ذلك ، ولذلك لم يقل وإذا نجاكم ، كما يدل له قوله D: { أم أمنتم أن يعيدكم } إلخ .

{ أَعْرَضْتُمْ } عن تخصيص الله بالطلب والعبادة ، ورجعتم إلى الإشراك ، وأعرضتم عن ذكره بعد تخصيصه في البحر حين خفتم بالذكر أو توحيده أو شكره بالتوحيد والعبادة .

روى أن عكرمة بن أبى جهل رضى الله عنه ، فر إلى جدة ليركب البحر لما فتحت مكة ، ووافى الرئيس يقول لمن يريد الركوب: أخلصوا وهم مشركون فيقولون: لا إِله إِلا الله ، لئلا يصيبهم غرق فقال: هذا ما يقول محمد ، قد أقروا به ، ففيم الفرار منه واتفق أن زوجه أرسلت إليه أن ائت وآمن ، فإن محمدًا A يقبل من يأتيه مؤمنًا فأتى وآمن .

ويجوز على بعد لعدم دليل أن يكون معنى أعرضتم توسعتم في المكارم ، كمن أخذ في عرض الشئ ضد الطول كقول ذى الرمة:

عطاء فتى تمكَّن في المعالى ... فأعرض في المكارم واستطالا

أى أخذ في عرضها وطولها ، وكل جسم له عرض إما بزيادة الطول عنه ، أو بالاعتبار كلمح طوله وعرضه سواء ، واعتبر الطول بأعلاه ، والعرض بجوانبه فالمراد بالعرض العرض العظيم ، فإذا عظم المرض فالأصل أن يكون الطول أكثر منه ، فالمراد أعرضتم والتسطلتم ، يقال لو كان الله جوهرًا لكان له حيز ، واحتاج إلى محل ومحدث أو جوهرًا لاحتاج إِلى ذلك ، ولم يقدر على أفعاله .

قيل لعالم: أثبتِ اللهَ لى بلا ذكر جوهر وعرض ، فقال: هل ركبت السحر ، وعصفت الريح ، وأشرفت على الغرق ، وأبست ممن معك وغيرهم من الخلق أن ينجوك ، وتعلق قلبك بشئ غيرهم أن ينجيك؟ قال: نعم ، قال: فذلك الغير هو الله D ، فاستحسن ذلك ، وكذا كل ما لا يخطر في قلبك معه غير الله سبحانه .

{ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا } كثير الكفران وعظيمه في الجملة ، لأنهم أعرضوا ، والكفران جحود النعمة ، ومن شأنها أن تشكر باطاعة ، فإذا لم تشكر فكأنها لم تقع على الكافر لها ، فضلا عن أن يشكرها ، والمراد مطلق الإنسان على إرادة الجنس لا كل فرد .

وإن قلنا هو هؤلاء المخاطبون فعلى طريق الالتفات إذ لفت الكلام عن أن يقول: وكنتم كافرين لطفًا بهم واستجلابًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت