{ سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ } سبحان اسم مصدر سبح بشد الباء ، فهو بمعنى التسبيح نائب عن فعل الأمر ، أى سبِّحوا الذى أسرى بعهده ، أناب سبحان عن تسبيح ، وأضيف للاسم الذى ينصب بسبحوا ، وهكذا سبحان في جميع القرآن ، أمر بالتسبيح تنزيها عن صفة مخلوق مطلقا أو تنزيها بالصلاة ، وما ذكرته في التوحيد بالحجة مخالفا لهذا كلام نقلته بلا تأمل .
كما أن بعضا قال: التقدير أصبح إليه بصيغة المضارع ، يقوله الله عن نفسه ، وهو الذى ذكرته في التوحيد بالحجة ، وهو في الكرخى ، ونسبه للنحويين وجدت منه نسخة قديمة له أو قوبلت على خطه إلا أنه يحتمل أن يكون المراد أن يقول كل أحد عن نفسه: أسبِّح الله ، ويقدر الماضى إِذا عطف بعده تعالى كما يجئ بعد في هذه السورة .
وأجاز بعض أن يكون سبحان مصدر سبح بلا تشديد ، بمعنى بعد عن صفة السوء كغفران ، وليس قياسا كما قيل ، وشهر أن سبحان عَلَم للتسبيح ، وأسرى لازم كسَرَى وهو أبلغ من سرى ، وتعديته بتأويل أسرى ملائكته بعبده تكلف ، وإنما تعدى بالباء أى صيَّر عبده ساريًا .
وقال: يعبده لأن العبودية لله أشرف المقامات ، وكان A راغبًا في اسم العبودية لله ، وكان يقول: « أشرف الأسماء ما تعبد به » ، أى ذكر فيه عبد ، كعبد الله ، وعبد العزيز ، وعبد القادر ، ولو قال بحبيبه أو نحوه لكان أقرب إلى أن تطريه الأمة كما أطرت النصارى المسيح وقالوا: إنه إِله أو إِنه ابن الله ، وقد نهانا أن نطريه كما أطرب النصارى المسيح .
{ لَيْلًا } بعد صلاة العشاء أى في ليل عظيم لا فيه كله ، ولا في نهار ، ويجوز أن يكون ليلًا اسمًا لجزء منه ، وبعض ليل ليل ، كما أن بعض السوق سوق ، وذلك حقيقة لا مجاز كما قيل: إن قصة الإسراء أربع ساعات أو ثلاث أو ساعة ، وقيل: أن يسكن غصن شجرة صادمة أول الإسراء فتحرك قبل أن يبرد فراشه من سخونة الاضطجاع عليه ، وهذا التعبيض بأنواعه حكمة ذكر الليل ، مع أن لفظ الإسراء يدل عليه ، وقد يجوز التجريد ، بأن جرد عن بعض معناه ، فكان بمعنى السير مطلقًا فقيّد بالليل ، وما قدم أحق لزيادة الفائدة .
{ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } بعد أن أسرت به الملائكة جبريل وميكائيل وغيرهما ، من بيت أم هانئ بنت عمه ، إِلى الحجر ، ثم منه إلى زمزم ، وشقوا بلا ألم ولا دم قلبه ، وعسلوه ثلاثًا ، وعاد كما كان ، وأسروا به منه ، هذا إلى من دعوى أن المراد بالمسجد الحرام مكة ، فيشمل بيتها ، والمسجد الحرام وهو يومئذ المطاف فقط ، وحوله دور الناس وبيوتهم ، ومن شاء شرع باب مسكنه في المطاف ، وأول من زاد في المسجد عمر ، وأتبعه غيره يشترون الدور ويدخلونها في المسجد بلا رجوع فيها ولا شرط ، وأما المطاف فمن الله لم يجر ملك أحد عليه .