فهرس الكتاب

الصفحة 4072 من 6093

{ قالَ } داود { لَقَد ظَلَمك } والله لقد ظلمك في صورة كلامك أن أن تحققت وصدقت فيها ، وهذا حكم قبل كلام المدعى عليه وهو ضعيف ، وخلاف الأصل ولو شرط له التحقق والصدق ، كما رأيته مقدرا واذا صرنا الى التقدير ، ولا بد فلنقدر هكذا ، وأقر المدعى عليه أو نقدر ، قال: ما تقول أنت؟ فقال: صدق خصمى ، فقال داود: لقد ظلمك { بسؤال نعْجتك إلى نِعَاجه } لئن لم ترجع أيها المدعى عليه المقر ، لأكسرن الذى فيه عيناك ، فتبسما ولو يرهما ، أو رآهما صاعدين الى السماء ، وقيل: ضحك ، وقيل: قال خصم الرجل أى غلب أى داود ، فعلم أنهما ملكان ، وتمام ظنه أنه ابتلى بهما بعد تمام قوله: { وقليل ما هم } والسؤال الطلب ، وعدى بإلى لأنه جلب لنعجة الى نعاجه .

{ وإنّ كثيرًا مَنَ الخُلَطاءِ } المختلطين بالشركة في المال أو الملاحقة والجوار فيه { ليَبغى } يتعدى { بعْضُهم على بعْضٍ } يأخذ ما ليس له من مال خليطة كما ظلمك خصمك ظلما ، عظيما بينا ، لكل من علم به ، اذا أخذ نعجتك الواحدة وخلاك بلا نعجة ، وضمها الى نعاجة الكثيرة اعراضا عن حق الله وحق الخلطة ، وزاد داود التأكيد بالبيان اذ قال: وإن كثيرا الخ { إلا الَّذينَ آمنُوا وعَملوا الصالحات } استثناء متصل من الخلطاء ، وان كان من كثيرا فمنقطع ، لأن ما استثنى من الكثير هو القليل ، والقليل هو مفهوم الكثرة ، فلا يستثنى منه الذين آمنوا وقد حدوا على وجه ينقص .

{ وقليلٌ } خبر مقدم للحصر في القلة { مَّا } حرف مزيد لتأكيد القلة ، أو مفعول مطلق للتأكيد ، أى قلة عظيمة ، وتفيد ما في مثل ذلك التعجيب أو التعجب فيما قال بعض المحققين { هُم } مبتدأ { وظنَّ داوُد أنَّما فتنَّاه } ما أردنا بذلك الا فتنة ، ولو كان الحصر في الهاء لقيل: انما فتنا اياه ، والفتن الابتلاء ، هل يعلم أنه المراد بذلك أو الابتلاء بما فعل حتى كانت قصة الخصامي؟ والمراد بالظن العام بدليل ما بعد ، واعلم أن انما بالكسر في افادة الحصر ، والمعنى أردنا فتنته لا غيرها ولا تهم ،

{ فاسْتَغَفَر ربَّه } مما صدر منه شبيها بقصة الخصمين { وخَرَّ راكعًا } أسرع كأنه سقط ولم يملك امساك نفسه كالجماد الملقى ، والركوع الانحناء الموصل الى السجود ، فهو راكع ، أو لا ساجد ثانيا باتصال وانما يتم هذا لو كان قضاؤه بينهما حال قيامه ، أو قام بعد قضائه فظن أنه فتن ، والأولى أنه قضى قاعد وظن قاعد أنه فتن ، وأنه سمى السجود ركوعا لجامع الانحناء ، أو لأن الركوع سبب السجود من القائم الذى لا يتمالك الامساك ، ولأن مريدا لسجود من قيام لا بد له من الانحناء كالراكع ، والعرب تقول: نخلة راكعة ، ونخلة ساجدة ، ولو بمعنى مصليا ، وليس في الآية ما يدل على أن داود في الصلاة ، ولو جاء في شرعنا صلاة ركعتين عند التوبة من الذنب ، ولا يغنى الركوع عن السجود في الصلاة ، ولا في سجود التلاوة لما رأيت من تأويل الآية ، ويروى أن رسول الله A قرأ سجدة فسجد ، فقال: « سجدها داود توبة ، ونسجدها شكرا » { وأناب } الى الله بالتوبة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت