{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللهِ } هم المهاجرون الآخرون بعد الحديبية وقبل الفتح إِذ وضعت الحرب أَوزارها عامين بالصلح الواقع في الحديبية وكان - قيل - على عشر سنين ، ومات A قبل تمامها ، وانتقض ببعض أَهل مكة بقتل خزاعة وهم في ذمته A فكان الفتح ، وقيل: المراد من هاجروا بعد هذه الآية ، وقيل: من هاجر بعد غزوة بدر . وفى الصحيحين عنه A: « لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية » فمن أَسلم في موضع ولو في بريش جاز له المقام فيه إِن عرف دينه ولم يمنع من إِظهاره ، وقيل: لو منع من إِظهاره إِن كان يفعله سرا . والهجرة طبقات ، هجرة إِلى المدينة وأَهلها المهاجرون الأَولون ، وهجرة إِلى الحبشة ثم منها إِلى المدينة وأَهلها أَصحاب الهجرتين ، وهجرة بعد صلح الحديبية وقبل الفتح ، ويجوز أَن يراد هنا المهاجرون الأَولون المذكورون في قوله تعالى: إِن الذين ، إِلخ ، لأَن ما هنالك لبيان أَن بعضهم وبعض الأَنصار أَولياء بعض ، وما هنا في بيان أَنهم كاملوا الإِيمان وأَن لهم مغفرة ورزقا كريما ، كما قال { وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا } أَى إِيمانا كاملا ، إِلا أَنه لم يقل بأَموالهم وأَنفسهم اكتفاء بذكره أَولا { لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ } عظيمة لذنوبهم { وَرِزْقٌ } عظيم في الجنة { كَرِيمٌ } لا نقص فيه ولا زوال ولا تكدر بشئٍ ، وإِن أُريد بهذه الآية المهاجرون الأَولون فالمهاجرون الآخرون في قوله D:
{ والَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ } بعد المهاجرين الأَولين َو بعد الحديبية وبيعة الرضوان ، والماصدق واحد { وَهَاجرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ } بأَموالهم وأَنفسهم { فَأُولئِك مِنْكُمْ } أَيها المهاجرون الأَولون والأَنصار ، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم من التوارث والمغانم والنصر ، وغير ذلك ، وفى قوله منكم تفضيل للأَولين والأَنصار عليهم لأَنه استلحاق ، فالخلاف في فضل المهاجرين على الأَنصار أَو الأَنصار على المهاجرين إِنما يتم في المهاجرين الأَولين ، وأَما المتأَخرون فالأَنصار أَفضل منهم ، وإِن أُريد بقوله D { من بعد } بما بعد الهجرة الثانية ، أَو المهاجرين ثانيا ، وقيل: المراد من بعد نزول الآية ، فيكون المعنى والذين يؤمنون من بعد ويهاجرون ويجاهدون وهم أَهل الهجرة الثالثة ، وقيل من بعد بدر { وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ } فى الميراث والنصر ، أَى الإِرث بالنسب أَولى من الإِرث بالإِسلام والهجرة فهذا ناسخ للإِرث بالإِسلام والهجرة ، ونسخ للإِرث بالمخالفة ، فقيل: أُولو الأَرحام هم من ذكر الله من الورثة بالنسب في سورة النساءِ ، وقيل: أُولو الأَرحام القرابة الذين لا ذكر لهم فيها ، ولم يوجد واحد منهم كالخال والخالة وبنت الأَخ وبنت العم لمجئ الحديث بأَن الخال وارث من لا وارث له ، وبه نقول نحن وأَبو حنيفة ، وعن ابن عباس: كانوا يتوارثون بالهجرة والإِخاءِ حتى نزلت { وأُولو الأَرحام بعضهم أَولى ببعض } أَى في الإِرث ، وبالأَول قال الشافعى ، وهو أَن المراد من في سورة النساءِ غير الأَزواج ، وعنه أَن المراد العصبة الذين يرثون ما بقى عمن ذكر في سورة النساءِ ، واحتج بقوله تعالى { فِى كِتَابِ اللهِ } وفسره بحكم الله الذى حكم به في سورة النساءِ ، ويشكل عليه أَنه لم يذكر هنا ولا في النساءِ أَن الباقى بعد الفروض للعصبة ، وإِنما يصلح بلا إِشكال إِذا فسروا أَولو الأَرحام بما في النساءِ غير الأَزواج لا بخصوص العصبة ، مع أَنه لا مانع من كون كتاب الله اللوح المحفوظ أَو القرآن أَو حكم الله لا بخصوص كونه ما في النساءِ ، وعلى كل حال لنا حجة على إِرث ذوى الأَرحام كالخال والعم للأُم وهو الحديث ، ويقدم عند قوم المعتق على نحو الخال والخالة ، وعكس ابن مسعود وخالفه ابن عباس وسائر الصحابة وهو متعلق بأُولو ، أَو خبر لمحذوف ، أَى ما ذكر ثابت في كتاب الله ، وكان المهاجر يرثه أَخوه الأَنصارى إِذا لم يكن للمهاجر وارث في المدينة ولا يرثه وليه الذى لم يهاجر .