{ فأوحَيْنا إليه } عقب ذلك بسبب ذلك { أن اصْنَع الفُلْكَ بأعْيُننا } ملتبسًا بحفظنا لها عن أن يفسدوها ، وعن أن تزيغ في صنعها { وَوَحْينا } إليك بكيفية صنعها ، اقرنه ملك يعلمه الصنع ، وتغطيتها بما لا ينفذه الماء كالقطران مع الجير { فإذا جاء } قرب جدًا أو حضر ابتداء { أمرنا } عقب اتمامها ، وهو واحد الأمور ، وهو العذاب أو أمرنا لك بالركوب فيها .
{ وفار } نبع بالماء نبعًا شديدًا { التَّنُّورُ } الذى من شأنه المنافرة للماء تنور آدم عند نوح ، أخبره امرأته لعنها الله بفورانه ، فركبُوا وهو في موضع مسجد الكوفة عن يمين الداخل من باب كندة ، أو في عين وردة من الشام ، أو بالجزيرة قريبًا من الموصل ، او في هند ، أو التنور وجه الأرض ، أو فار التنور عبارة عن شدة الأمر كحمى الوطيس ، وشمرت الحرب عن ساق .
{ فاسلك } أدخل { فيها من كلِّ زوجَين } نوعين ذكر وأنثى { اثْنَين } فرد من ذكر أو أنثى مفعول به لاسلك ، ليتوالد فلا ينقطع الجنس ، فحمل ديكًا وديكة ونعامة ذكرًا وأنثى وغير ذلك مما يلد البيض ، وجملًا وناقة ، وهكذا فلم يحمل يغلًا ويغلة ، لأنهما لا يتوالدان ، ويكفى حمل ما يلدهما ، ولم يحمل ما يتولد من الماء أو الصفونة كالذباب والدود والبق ، والآية صريحة في أن قوله تعالى: { اسلك فيها } متقدم على صنعها ، فيرد إليها قوله D: { حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور } { قلنا احمل فيها } رد ظاهرة بعد صنعها ، وهو كذلك بأن القول قبل صنعها يتحقق ، وينفذ بعد صنعها ، أو ما هنا وهو القول قبل الصنع كالعدم بالنسبة إلى القول بعده لقوته ، وهو ما في الآية الأخرى ، فكأنه قيل بعده ، وأولى من هذا لمن القول وقع قبل وبعد تنبيهًا وتأكيدًا .
{ وأهْلك } أى من آمن بك ، ولو من غير قرابتك ، كما في هود ، والعطف على اثنين ، ولا يتوهم أن الأهل من الزوجين ، لأن المراد اسلك فيها اثنين من كل زوجين وأهلك { إلا من سبق } فى قوله تعالى وفى اللوح المحفوظ { عليه القَوْل } بالإهلاك { منهم } من القوم والاستثناء منقطع ، لأن المراد بالأهل من آمن به ، وإن فسرنا الأهل بقرابته ، ومن تحت حكمه ، كان المراد بمن سبق عليه القول زوجه وابنه الكافر ، فيكون سائر من آمن به لم يذكر في هذه الآية اكتفاء بذكره ، في غيرها ولدلاله استثناء من سبق عليه القول ، لأن استثناء لكفره ، وأخر الأهل عن الاثنين من كل زوجين ، ولو قدمهم لطال الفصل بالاستثناء ، وما اتصل به من قوله:
{ ولا تُخاطبنى في الَّذين طلمُوا إنَّهُم مُغْرقون } ولأن أهله يدخلون بأنفسهم واختيارهم مع قوله تعالى: { اسلك فيها } والاثنان من كل زوج لا يدخلان باختياهما ، بل بادخال نوح ، والمعنى لا تكلمنى فيهم بطلب انجائهم ، والمراد لا تخاطبنى فيهم ، وأظهر ليذكر سبب إغراقهم ، وهو الظلم لأنفسهم وللمؤمنين ولنوح ولدين الله ، أنهم مغرقون ولا بد أو مقضى عليهم بالإغراق فلا يتخلف ، ولا ياقل خاطبت الله لعدم الأدب فيه ، ولعدم وروده ، ولو قال لا تخاطبنى .