{ وهُو الذى كفَّ أيديهُم عَنْكم } أيدى أهل مكة عنكم ، وهو شامل للأحابيش أو أيدى الناس المذكورين في الآية قبل ، على أنهم أهل مكة { وأيْديكُم عَنْهم } عطف معمولين على معمولى عامل واحد ، وكأنه قيل: وكف أيديكم عنهم ، وفى التعبير بكف التلويح بأنه رد بعضا عن بعض بأمر لطيف ، ولو قال منع لكان ظاهرا في الرد بأمر شديد ، كقتل في جانب ، ونحو صاعقة في جانب ، أو قتل فيهما ، أو التلويح بأنه رد بعضًا عن بعض بعد شروع في قتال ، والله أعلم .
{ ببطْن مكَّة } هو الحديبية ، كما روى الطبرى عن قتادة ، وذلك مبالغة في قربها الى بطن مكة ، كأنها بطن مكة ، كزيد أسد ، ولا سيما أنه قال بعض: ان بعضها من الحرم ، وفى ذلك تأكيد لقوله A: « صلح الحديبية فتح » ورد على من قال من الصحابة: أى فتح وقد صدُّونا أيضا حلقوا فطارت شعورهم بالريح حتى وقعت في الحرم .
{ مِن بَعْد أنْ أظْفَركم } صيركم ظافرين { عَليْهم } عدى الاظفار بعلى لتضمنه الاعلاء ، والاظفار تخويف أهل مكة من المسلمين حتى طلبوا الصلح منهم بأن قالوا: ارجعوا الآن وأتوا من قابل ، وأيضا روى أحمد وأبو داود ، والترمذى ومسلم وغيرهم ، عن أنس: أنه قبض A على ثمانين رجو رجاءوا من التنعيم ليغدروه ، فعفا عنهم ، وذلك كف للأيدى بينهم وبينه A ، لم يقتلوه ولم يقتلهم بعد الاظفار علهم ، وأن الآية فيهم ، وأيضا قال عبد لله بن فدعا رسول الله A فأخذ الله سمعهم ، وروى أبصارهم ، فأخذناهم ، فقال A: « هل جئتم في عهد أحد أو أخذتم أمانا من أحد؟ » قالوا: لا ، فخلاهم ، وفيهم نزلت رواه الحاكم والنسائى وغيرهم .
وأيضا قال سلمة بن الأكوع: لما اصطلحنا ، اختلط المشركون بنا ، واضطجعت في ظل شجرة ، وجاء مشركون أربعة يشتمون رسول الله A ، فتحولت الى أخرى لبغضى لهم على ما سمعت منهم ، ونادى منادٍ: ما للمهاجرين قيل ابن زنيم ، فأخذت سلاح الأربعة ، وقد علقوها على الشجرة الأولى ، واضطجعوا ، وسللت سيفى فقلت: والذى كرم وجه محمد A لئن رفع أحدكم رأسه لأقتلنَّه ، فسقتهم الى رسول الله A ، وجاء عمى عامر بمشرك يسمى مكرزا ، فنظر اليهم فقال: « أطلقوهم يكونوا عليهم بدء الفجور » وفيهم نزلت الآية رواه أحمد وغيره ، وأخرج الطبرى عن ابن أبزى: لما انتهى الى ذى الحليفة A ، قال عمى: يا رسول الله تدخل على قوم لك حرب بلا سلاح ولا كراع ، فبعث الى المدنية فما بقى فيها سلاح ولا كراع الا جىء به اليه ، وقيل هذا الفتح يوم فتح مكة ، والصحيح الأول .
{ وكان الله بمَا تعْمَلون } كله ومنه العفو بعد الظفر { بصيرًا } فجازيكم .