{ ثمَّ أوْرَثنا } أعطينا بسهولة { الكتاب } القرآن عطف على قوله: { الذى أوحينا إليك } الخ عطف فعلية على اسمية ، ولو عطفناها على أوحينا لتوافقتا فعليه ، وصح على وضع الكتاب موضع الضمير ، لكن فيه الأخبار قبل العطف ، أو الكتاب القرآن وغيره ، الجمهور على الأول وهو الصحيح ، وثم للتراخى الرتبى ، لأن عنوان الايراث أفضل من الإيحاء ، لأن فيه إيحاء وكيفية تمليك عظيمة ، وعكس بعض ، فيكون التراخى لما دون الأول ، وإن فسرنا الايراث بالحكم بالإيراث ، فالتراخى الى ما فوق ، على أن الحكم أفضل من الإيقاع ، وقد يعكس بأن في الإيقاع حكما ووقوعا ، ويحصل تراخى الترتبة بكون الكتاب هو القرآن ، ويجوز الترتيب بالاخبار وبالزمان ، باعتبار أن تلقى الأمة القرآن والعمل به بعد الوحى لا معه ولا قبله ، ولا يخفى تراخى الزمان باعتبار الأمم السابقة .
{ الَّذين اصْطفَينا مِن عِبادِنا } هم هذه الأمة أمة الاجابة على الأول الصحيح ، وهو أن الكتاب القرآن ، أو المتقون مطلقا على الثانى ، وهو أن الكتاب القرآن وغيره ، اصطفى الله D هذه الأمة ، جعلهم أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس ، وخصمهم بالانتساب الى أفضل الأنبياء ، وقيل الذين اصطفينا علماء الأمة الصحابة ، ومن بعدهم اصطفاهم بالوقوف على حقائقه ودقائقه ، والأمانة عليه ، وزعمت الشيعة أنهم آل البيت ، والصحيح أنهم الأمة أو علماؤها ، فيدخل متقو آل البيت أولا ، وقيل المراد الأنبياء ، والكتاب الجنس ، وقيل المذكورون في قوله تعالى: { ان الله اصطفى آدم } إلخ ، وليس كذلك ، ومن للتبعيض لا للبيان ، وليست الإضافة للتشريف ، لأن الراد مطلق العباد ، والذين مفعول أول لأنه الفاعل في المعنى ، اى جعلناهم وارثين الكتاب ، وقدم الثانى لشرفه .
ولا مانع من أن يراد بالذين اصطفينا من عبادنا هذه الأمة ، مؤمنها وكافرها وضيع الكافر هذا الاصطفاء ، فتكون هاءات منهم في قوله D: { فمنْهُم ظالمٌ لنفسِه } إلخ لجملة العباد أو واو يدخلونها للمقتصد ، والسابق ، ولا نصيب للظالم في الجنة إن لم يتب ، كما فسر ابن عباس الآية به ، ولا يخفى أنه يبعد تفسير عباد بمؤمنى هذه الأمة ، والذين اصطفينا بعلمائها ، وأن الاضافة للتشريف ، إذ لا عهد يدل أن العباد مؤمنوها ، ولا مانع من أن يراد بالظالم لنفسه المسرف في المعاصى ، ولو بالاشراك ، لكن مات تائبا ولو عند قرب موته جدا ما لم يره كما قال الله D: { إلا قوم يونس } وأنت خبير بأنه تكون درجة المسرف في طول عمره ، دون درجة المقتصد والسابق ، إلا أن الله أن يفعل ما يشاء لزيادة فضله ، ولا طلاعة على شأنه في توبته ، ولا سيما من أسرف ثم أقلع وبالغ في الاجتهاد بقية عمره ، فربما التحق بالمقتصد أو السابق ، والعلم عند الله الرحمن الرحيم ، وقد تكون الهاءات للذين اصطفينا ، على أن الاصطفاء بالاسعاد ، فيدخل الظالم الائب في الذين اصطفينا ، والظالم لنفسه شامل لمن ظلم غيره ، لأن ظلمه لغيره ظالم به نفسه ، وحسناته قليلة ، وسيئاته كثيرة ، ومنها أن لا يبالى من أين يزرقه ، وكثرة الاهتمام بالدنيا ، وترك النهى عن المنكر والجهل .