قال بعضهم لباقيهم كما يدل له: فأووا إلى الكهف ، فإنه ليس من غيرهم ، وإذ اعتزلتموهم وأنا معكم في الاعتزال والأوىّ إِلى الكهف ، وكذا تقول في مثل ذلك من خطاب بعض جماعة لباقيهم ، وكذا لو قال اثنان فصاعدًا للباقين .
وعبارة بعض أن فيه تغليب الخطاب على التكلم ، كأنه قيل: فإذا اعتزلت أنا وأنتم ، ويعارضه فأووا فإنه يقتضى لام الأمر ، ومضارع التكلم ، فلآوى أنا وأنتم بأمر المتكلم نفسه وهو قليل ، كقوله A: « قوموا فلأصل بكم » مع أنه في رواية فلأصلى بالنصب ، ولأن رواة الحديث قد لا يضبطون العربية إِلا الصحابة ، ومثلهم ممن يتقنها ، وجملة ما يعبدون إِلا الله معترضة من كلام الله ، وما نافية ، ولفظ الجلالة منصوب على التفريغ ، وواو يعبدون لأصحاب الكهف ، ولا بأس به إلا أن مذهبى أن جملة الاعتراض ، إن قرنت بواو تكون معطوفة قبل تمام المعطوف عليه ، ولا أقول بذلك في غير الاعتراض ، وحجتى في ذلك أنه ليس الاعتراض ولا الاستئناف معنى للواو ، لأن الاعتراض معلوم بنفسه ، وكذا الاستئناف ، ولو صحت واو الاستئناف لجاز أن تقول: وزيد قائم ، أو تقول: وقام زيد بالواو بلا تقدم شئ ، ولا تقدير له .
وقد عاب ابن هشام أول المعربين أن ألا بالفتح والتخفيف حرف استفتاح بأن الاستفتاح موضع لها ، وإنما معناها التنبيه والتوكيد ، وإن كانت الجملة من كلام أصحاب الكهف ، فالواو عاطفة على الهاء ، وما فكرة موصوفة واقعة على صنم مثلًا ، وصفت بجملة يعبدون ، أى يعبدونه ، وبقوله إلا الله ، كما يقال في قوله تعالى: { لو كان فيهما آلهة إلا الله } أو موصول اسمى أى الذى يعبدونه ، أو حرفى أى وعبادتهم ، والاستثناء على الوجهين منقطع ، أى لكن الله هو أهل العبادة .
إن قلنا: هؤلاء يعبدون الله وغيره فمتصل ، كما روى عن عطاء الخراسانى ، وقيل: يعبدون غير الله فقط ، وإذ متعلق بما بعدالفاء ، والفاء صلة للربط ، أو رابطة لجواب إذ على تضمن إذ معنى الشرط ، ولو لم تكن بعدها ما ، وأجيز أن تكون تعليلية لقوله فأووا ، والتحقيق أن التعليل في غذا التعليلية مستفاد من مدخولها ، مثل استفادة العلة من تعليق الحكم بالمشتق .
والمعنى التجئوا بأَبدانكم إلى الكهف ، كما اعتزلتموهم بدينكم ، والماضى أوى ، والمضارع يأوى بهمزة ساكنة قبل الواو ، لأن مادة الأولى تصح همزتها ، وهو من باب ضرب يضرب والأمر بهمزة وصل مكسورة ، فهمزة مسكنة ، هى فاء الكلمة ، فواو مكسورة ، هى عين الكلمة ، فياء محذوفة لشبه الجزم ، حذفت همزة الوصل للدرج بالفاء وضمت الواو لواو الجماعة بعدها المحذوفة في الخط ، وبنشر يبسط ، ووسع ومفعوله محذوف ، أى بنشر لكم ربكم الرزق في الدارين ، ومن للابتداء ، والداخلة علىأمركم له ، أو للتبعية ، أو البدل متعلقة بهيئ أو بمحذوف حال من مرفقا ، والمرفق ما يرتفق به ، أى ينتفع به ، قالوا ذلك لخلوص يقينهم .