{ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِى بِهِ أَنِ اعْبُدُوا الله رَبِّى وَرَبَّكمْ } تأكيد لقوله سبحانك ، ولقوله ما يكون لى أَن أَقول ما ليس لى بحق ، وللمراد بقوله إِن كنت قلته فقد علمته ، فإِنه انتفاء من أَن يقوله ، وأَن اعبدوا الله ربى وربكم تفسير لقوله ما أَمرتني فيكون في قوله ربى وربكم التفات من الغيبة إِلى غيرها ، والأَصل ان اعبدوا الله رب كل شئ ومن كان ربا لعيسى ومخاطبيه يكون ربًا لكل شئ فلا يكون قوله ربى وربكم مانعًا من التفسير ، وذلك التفات ، وأَجاز بعض أَن يكون المعنى ما قلت لهم شيئًا سوى قولك قل لهم أَن اعبدوا الله ربى وربكم ، وضع القول موضع الأَمر فصح ذلك بلا تأْويل بالالتفات السكاكى وفيه تكلف ، ويجوز تضمين القول معنى الأَمر فيصح أَن يكون تفسيرًا للقول وأَما على إِبقائه على ظاهره فلا لأَن ( أن ) التفسيرية لا تتوسط بين القول ومحكيه ، وقال ابن الصائغ وأَبو حيان أَن تفسيرية لاعبدوا الله ، ومن أَجاز دخول أَن المصدرية على الأَمر والنهى أَجاز أَن يكون مصدر اعبدوا بدلا أَو بيانًا من ما في قوله إِلا ما أَمرتنى به ، والقول يحكى به الجملة والمفرد الذى في معنى الجملة مثل ما هذه فإِنها حكيت بالقول مع أَنها مفرد ، ومثل لفظ العبادة في مقام الأَمر بها فإنها تؤدى بقولك اعبدوا ، فمعنى قولك ما قلت لهم إِلا العبادة إِلا الأَمر بها ، ولا سيما أَن الجملة قبل التأويل بالمصدر موجودة ، أَو يضمن القول معنى الذكر فينصب المفرد ، وذكر العبادة أَمر بها أَو بدلا أَو بيانًا من هاء به ، ولا يشترط في البدل أَن يحل محل البدل منه من كل وجه ، فلو قلت في أَكلت الرغيف ثلثه أَكلت ثلثه لم يتبين مرجع الضمير ، فكذا لو قلت ما قلت لهم إِلا ما أمرتنى عبادة الله ربى وربكم لبقى الموصول بلا عائد { وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا } رقيبًا أَنهاهم عن الكفر ، وشاهدًا لأَحوالهم من كفر وإِيمان { مَا دُمْتُ فِيهِمْ } أى مدة الماضية من كونى فيهم { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى } أَمتنى في الأَرض بلا قتل كما قيل أَنه مات ، وأَحياه الله ورفعه إِلى السماء ، ويبعد أَن يقال أَمتنى عند قرب الساعة فكنت عليهم شهيدًا فيما بقى من الدنيا بعدى ، وقبل ذلك كنت شاهدًا عليهم قبل الرفع وفى السماء بعد الرفع بأَن يؤتى بأَخبارهم إِليه في المساء ، أَو المراد بالتوفى إِليه رفعه بلا موت أَى أَخذتنى وافيًا إِلى السماء لأَن التوفى بمعنى الأَخذ وارد ، والجمهور على أَنه رفع بلا موت قبله ، وقيل مات وأَحياه ورفعه ، وكذا تقول النصارى { كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } الحافظ لأَعمالهم والمراقب لأَحوالهم والموفق لمن أَردت والخاذل لمن أَردت ، أَو الرقيب بارسال الدلائل وإِقامة الحجج ، قال الغزالى: الرقيب أَخص من الحافظ؛ لأَن الرقيب هو الذى يراعى الشئَ ولا يغفل عنه أَصلا ويلاحظه ملاحظة واجبة لازمة ولو كانا في صفة الله سواءً { وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَئْ } ومنه قولى لهم وقولهم معى وبعدى { شَهِيدٌ } مطلع عالم .