فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 6093

{ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } الشطر في الأصل ما انفصل عن الشىء ، إما حسا ، كدار شطور أى منفصلة عن الدور ، أو معنى ، كقولنا الإقرار شطر التوحيد ، واستعماله في الجزء شائع ، واستعمل لجانب الشىء ولو لم ينفصل ، وبمعنى الجهة في الآية { وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } والعطفان على لكل وجهة ، أو على قد نرى تقلب وجهك في السماء ، ذكر ذلك ثلاث مرات ، كل لعلة غير علة الأخرى ، ذكره المرة الأولى ليريه أنه قد أجاب له فيما يشتاق إليه ورحم تضرعه ، وأنه أهل لأن يجاب لعظم شأنه عند الله D ، كما قال الله D { قد ترى تقلُّب وجهك } وذكره المرة الثانية ليبين أنه جعل لكل أمة قبلة تمتاز بها ، إذ قال { ولكلٍّ وجهة } أى لكل أمة ، وذكره المرة الثالثة ليدفع حجة اليهود ، إذ يجتمعون بأنه لو كان النبى الموعود به لتحول إلى الكعبة كما في التوراة ، وأنه لو كان لم يتبع قبلنا مع أنه ينكر ديننا ، ولدفع حجة مشركى العرب ، إذ يتحتجون بأنه لو كان نبيًّا لم يخالف قبلة إبراهيم مع أنه يدعيها ، كما قال بعد قوله { لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ } اليهود ومشركى العرب { عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } ولأتم نعمتى ، أن عطف على لئلا . . . الخ ، وأما قوله D { وما جعلنا القبلة التى كنت عليها } أى الكعبة التى كنت عليها ، فبان أن الجعل معلل بالعلمن لا بقيد كونه تعظيما للرسول A ولا بغيره ، وناسب التكرار أن الكعبة لها شأن ، والنسخ من مظان الطعن ، والمخالفة في النسخ بدعوى إلزام البداء ، وهو غير جائز ، وهى مخالفة باطلة ، لأن النسخ إزالة حكم قضى في الأزل أنه يزال ، لا ظهور لما خفى ، تعالى الله ، وقيل: الأولى على أن الإنسان في المسجد الحرام ، والثانية على أن يخرج من المسجد الحرام ويكون في البلد ، والثالثة على أن يخرج عن البلد إلى أقطار الأرض ، وفيه أن الخطاب أولا لرسول الله A وهو في المدينة ، فكيف تكون الأولى لمن في المسجد الحرام { إِلاّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ } بالعناد { مِنْهُمْ } من الناس المعهودين ، أى إلا المعاندين من اليهود ، إذ قالوا: تحول للكعبة ميلًا لدين قومه وحبًّا لبلده ، ومشركى العرب إذ قالوا: رجع لقبلة آبائه ، ويوشك أن يرجع إلى دينهم ، وأنه في حيرة من أمر القبلة ، ومن لم يعاند قال: يدعى ملة إبراهيم ويوافق قبلته ، والحجة ما يستدل به صحيحًا في نفسه أو في زعم المستدل ، ولا حجة صحيحة لمن خالف كلام الله ، لكن تسمى حجة ، كأنها صحيحة ، لشبهها بها في إحضارها لإثبات المقصود ، أو المراد التحاج أى الخصام ، أو الاستثناء منقطع ، أى لكن الذين ظلموا ، من تأكيد الشىء بضده ، أى إن كانت لكم حجة هى فهى الظلم ، والظلم لا يكون حجة ، فحجتهم غير ممكنة ، كقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت