{ وَلاَ تَقْرَبُوا } أَيها الأَوصياءُ والأَولياء وغيرهم { مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } إِلا بالفعلة أَو القربة أَو الخصلة التى هى أَحسن وأَفضل مما تفعلون بأَموالكم من الحفظ وتنمية بنحو التجر والسقى ، ولا تكتفوا بالحسن . كما يجوز في أَموالكم الاكتفاء بالحسن عن الأَحسن ثم إِنه لا يخفى أَن لا تقربوا أَوكد من لا تباشروا على حد ما مر في لا تقربوا الفواحش ، وخص ذكر اليتيم مع أَن مال ذى الأَب والبالغ كذلك ، لحق الإِسلام والقرابة لأَن الطمع في مال اليتيم أَكثر لضعفه ولأَن إِثمه أَعظم { حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } فهو الذى يقرب مال نفسه ويحوطه وليس المراد أَ ، ه إِذا بلغ أَشده فاقربوه بما ليس أَحسن ، فقد قال { فإِن آنستم منهم رشدا فادفعوا إِليهم أَموالهم } فالأَشد: القوة ببلوغ الحلم وإِيناس الرشد وهو مفرد كآنك بهمزة وأَلف فنون مضمومة أَو اسم جمع بمعنى القوات أَو جمع شدة بكسر عند سيبويه كنعمة وأَنعم ، وقيل أَنعم جمع نعمة بضم النون أَو جمع شد بالفتح ككلب وأَكلب أَو جمع شد بالكسر كذئب وأَذؤب ، أَو جمع شد بضمها كضر وأَضر وأَصله أَشدد باسكان الشين وضم الدال الأُولى ، نقلت الضمة إِلى الشين وأدغمت الدال ، ولما كان زيادة الأَشد ينتهى إِلى ثلاث وثلاثين ولا يزيد بعد ، جاز إِطلاق الأَشد عليها تسمية بآخرها { وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ } مصدر كالميعاد بمعنى الوعد فوافق الكيل في المصدرية ، فهما مصدران بمعنى مفعول أَى المكيل والموزون ، أَو باقيان على المعنى المصدرى والمعنى صحيح ، أَو الميزان اسم آلة فتعل للكيل بمعنى الآلة بمعنى المكيال أَو بقدر مضاف ، أَى مكيل الكيل وموزون الميزان { بِالقِسْطِ } بالعدل حال من وأَوفوا ولا يتكرر مع الإِبقاء لأَن الإِيفاء ترك النقص في حق من عليه الحق ، والقسط ترك الزيادة في حق من له الحق ، إِلا أَنه خوطب بهما معا من عليه الحق أَى عليكم أَن لا تنقصوا ولكم أَن لا تزيدوا وعبارة بعض أَمر الله تعالى المعطى بايفاءِ ذى الحق حقه من غير نقصان ، وأَمر صاحب الحق بأَخذ حقه من غير طلب الزيادة { لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } أَى لا نكلفها بأَقل من وسعها في أداءِ حق الخلق ، وكذا في أَداءِ حق الخالق بلا مشقة عظيمة وعسر شديد ، ولا عقاب عليكم فيما أَخطأَتم فيه بعد استعمال قواكم ، ولكن إِذا علمتم فعليكم التخلص وإِلا تتخلصوا عوقبتم ، وإِن لم تعلموا حتى متم نقص من حسناتكم ، وذكر تكليف النفس بوسعها بعد الكيل والميزان لشدة الوقوف على استيفائهما فعليكم وسعكم ووراءَه العفو ، وقد قيل لا يوصل إِلى حقيقة الكيل والميزان ، وأَول وقت الصلاة والخوف والرجاء وأَول البلوغ . أَو ذلك امتنان بأَنى كلفتكم ما تطيقونه بلا مشقة ومن زاد في الكيل والوزن فقد وفى بالحق وله ثواب الزيادة { وإِذا قُلْتُمْ } تكلمتم في قضاء أَو إِفتاء أَو وعظ أَو أَمر أَو نهى أَو حكاية أَو أَداء شهادة وتأدية أَحكام الشرع ، ولتضمن القول هنا معنى التكلم لم يكن له مفعول به ، أَو لم يذكر لعدم تعلق المقام به فصار كاللازم ، والفعل كالقول هكذا أَو إِذا قلتم أَو فعلتم ، أَو يراد بالقول ما يشمل الفعل مجازا { فَاعْدِلُوا } فى ذلك القول أَو لفعل ، لا تجوروا في القضاء ولا تزيغوا في الإِفتاء أَو الوعظ ، ولا تيدوا أَو تخلطوا في حكاية قصة ولا تأمروا بمنكر أَو تنهوا عن المعروف ، ولا تنقصوا أَو تزيدوا في الهشادة فإِن ذلك كله غير عدل { وَلَوْ كَانَ } أَى المقول له أَو عليه أَو المفعول له أَو علي { ذَا قُرْبَى } فتدعوكم أَنفسكم إِلى فعل أَو قول له ، أَو إِزاحة ضر لازم له أَو فعل كذلك مع أَنه ليس ذلك حقا له ، لا تتركوا حقا ضارًا له أَو بعضه ولا فعلا ضارا له أَو بعضه وهو حق عليه .