فهرس الكتاب

الصفحة 1879 من 6093

{ قَالَ } مجيبا لهم بأَنه لا يذكر يوسف مهملا أَو جزعا بل يذكره تضرعا إِلى الله { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّى وحُزْنِى إِلَى اللهِ } لا إلى غيره ، البث تفريق الشىءِ وإِظهاره منتشرا كبث الريح التراب ، واستعمل فيما لا يطاق ففرق على متعدد فهو بمعنى مفعول واستعارة تصريحية ، أَو بمعنى فاعل أى الغم الذى فرق الفكر وهو أَشد الحزن ، فكأَنه قال: أَشكو حزنى الشديد وحزنلا الذى دونه إلى الله لا إلى غيره لا قدرة له على إزالته ، ولا يخيب داعيه { وَأَعْلمُ مِنَ اللهِ مَالاَ تَعْلَمُونَ } من رحمته ومن حياة يوسف ، زاره عزرائِيل فقال له: أَيها الملك الطيب ريحه الحسن صورته الكريم على ربه ، هل قبضت روح ابنى يوسف؟ قال: لا ، فطابت نفسه ، ولذلك قال: { وأَعلم من الله مالا تعلمون } وأَيضا لم برؤيا يوسف أًن إخوته يسجدون له ، وأيضًا لما أُخبر بحسن سيرة ملك مصر وديانته رجا أَنه يوسف ، وعلم أَنه حى ولا يدرى أَين هو ، قال رسول الله A: كان ليعقوب أَخ في الله فقال له: ما الذى أَذهب بصرك؟ قال: البكاءُ على يوسف ، قال: وما قوس ظهرك؟ قال: الحزن على بنيامين . وقال له جبريل: إِن الله يقرئك السلام ويقول لك: أَما تستحى تشكو إلى غيرى ، فقال: إنما أَشكو بثى وحزنى إلى الله ، فقال جبريل: ربك أَعلم منك ، أَو والله أَعلم بما تشكو ، كأَنه أَشار إِلى ما قد لا يخلو عنه البشر طبعا ، أَو كره الله منه أن يقول بحضرة الناس: يا أَسفى على يوسف ، مع أنه لم يشك إليهم ، وأَخبج بن أبى حاتم عن النضر أنه قال: بلغنى أن يعقوب عليه السلام مكث أربعة وعشرين عاما لا يدرى أَيوسف حى أم ميت حتى تمثل له ملك الموت فقال له: من أنت؟ قال: أنا ملك الموت فقال: أنشدك بإِله يعقوب عليه السلام هل قبضت روح يوسف؟ قال: لا ، فعند ذلك قال ما في قوله تعالى: { يَا بَنِىَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُف وَأَخيِهِ وَلاَ تَيْئَسُوا مِنْ رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ } لا يدرى أَيوسف حى مخالف لما علم من رؤيا يوسف فإِنه علم بها أَنهم سيجتمعون معه ويسجدون له ، وكذا يعقوب وخالة يوسف ، وبكلام عزريل وبفتور روبيل بمس بنيامين ولم يأْمرهم بالذهاب إلى موضع معين ، ولعله أَمرهم بالذهاب إلى مصر لعلمه بأن فيها بنيامين وروبيل ولأن فيها الملك المحسن فلعله يعينهم على البحث عنهما ، وقد روى عبد الله بن يزيد: أَن يعقوب عليه السلام كتب إلى يوسف عليه السلام ، من يعقوب صفى الله بن إسحق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله إلأى ملك مصر ، أما بعد ، فإنا أهل بيت البلاءِ أُلقى جدى إبراهيم في النار مشدود اليدين والرجلين ، وعمى إسمعيل اغترب في مكة ، وأَبى إسحق أُمر بذبحه فصبر والأَمر لله - جل وعلا - ، ولى ابن أَحب أَولادى إلى وأَتلفه إخوته ، وقالوا أكله الذئْب ، فذهبت عيناى ، وله أخ شقيق أَتسلى به وزعمت أَنه سرق ، فإنا أهل بيت لا نسرق ، فإِن لم تردده دعوت عليك دعوة تلحق السابع من ولدك ، فذهبوا بالكتاب إلى يوسف في مصر متحسسين عنه ، فقيل: بكى لما قرأ الكتاب ، كتب إليه: اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا ، والتحسس البحث بالحاسة عن الشىءِ كالتحسس بالجيم كما قرىءَ به لكن الغالب في الجيم البحث عن السوءِ ، وبالمهملة على السواءِ ، وقيل غالبها الخير كما هنا ، ومن خصه بالسوءِ رد عليه بالقراءَة ، وقيل هو بالجيم تعرف حال ما ، وبالمهملة تعرف ما يدرك بالحس فهو أَعم مما بالمهملة ، ومن بمعنى عن أَو للتبعيض على حذف مضاف أى بعض أَخبار يوسف أَو شمعون فعلم أًنه في مصر باختياره حى يأْذن له أَبوه في الرجوع أَو يحكم الله ، وروح الله ورحمته مستعار من روح القلب وهو استراحة من الغم كأَنه قيل: لا تيأْسوا من راحة لقلوبكم تأْتيكم من الله ، أَو مستعار من الروح بمعنى النفس بفتح الفاءِ للفرج ، والإِياس من رحمة الدنيا كفر كما هو من رحمة الآخرة كفر ، وأَما الإياس من الخلق فجائِز ، والكفر هنا بمعنى الشرك ، أَو مطلق الفسق ، وذلك تغليظ في الزجر ، أَما الفاسق غير المشرك فلقسوة قلبه وإِعراضه ، وأَما المشرك فلقصوره عن إِدراك خصال التوحيد ، وذكر بعض قومنا: إن الموحد إذا أَيس فإِياسه شرك ، وذهبوا يتحسسون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت