{ كُتِبَ } نائب فاعله الوصية ، وذكر للفصل ، ولمعنى لإيصاء ، كما قال السعد: الأصل التأنيث ، ولو كان غير حقيقى ، ويختار إلا لداع ، كالفصل في غير الحقيقى هنا ، قال الرضى ، زاعمًا أن ذلك لإظهار فضل الحقيقى على غيره ، وهو تعليل لا يرضى ، كيف يقال اختار الله D التذكير ليعلمنا بفضل الحقيقى على المجازى { عَليْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ } أى أسبابه بحسب الظن ، وإلا فلا يدرى أحد أنه يموت في ذلك الوقت ولو اشتد ضره { إِنْ تَرَكَ خَيْرًا } مالا قليلًا أو كثيرًا ، بأن يكون له ربع دينا زيادة على ديون الخالق ، والمخلوق ، والأنسب أنه إن قل ماله عن ذلك أوصى ولو بأقل من ربع دينا ، وذكره بلفظ خير تلويحا بأن الوصية من طيب المال حلالا وجودة ، ويجزى ما دون الجيد إلا أنه لا يحسن ، وقد استعمل الخير في المال مطلقا ، كقوله تعالى: { وَإِنه لحب الخير لشديد } وفى المال الحلال كقوله تعالى: { وَمَا تُنْفِقُوا مِن خير } وقالت عائشة وعلى: الخير المال الكثير ، والكثرة والقلة بالنسبة إلى الموصى وحاله ، رجلًا أو امرأة ، ككثرة حاجاته ، وكثرة الوارثين ، أراد رجل أن يوصى فسألته كم مالك؟ فقال ثلاثة آلاف درهم؟ فقالت: كم عيالك؟ فقال أربعة فقالت إنما قال الله إن ترك خيرًا ، وأن هذا يسير فأتركه لعيالك ، ولا شك أنه كثير في نفسه ، لكن قلته بالنسبة لعياله ، وكذا سأل عليا مولى له الوصية عند احتضاره ، وله سبعمائة درهم ، قيل أو ستمائه فمنعه لكونه ذا عيال ، وقال إن الله تعالى قال ، إن ترك خيرًا ، والخير هو المال الكثير ، ولا شك أن سبعمائة درهم كثير في ذاتها إلا أنها قليل بالنسبة ، وعن ابن عباس من لم يترك ستمائة دينار لم يترك خيرًا ، أو الخير في العرف العام المال الكثير ، كما لا يقال ذو مال إلا إن كان كثيرًا ، وإن أوصى من قبل وعند حضور الموت نقص عما تجب الوصية معه فله إسقاط ما أوصى به للأقرب ، والتقييد بالقلة والكثرة إنما هو بالنظر إلى وصية الأقرب الباقية بلا نسخ { الْوَصِيَّةُ لِلْوَلِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ } كالإخوة والأخوات ، والأعمام ، والأجداد والجدات ، والأخوال ثم نسخ بآية الإرث ، وحديث لا وصية لوارث ، إلا أن يشاء الورثة ، قال في حجة الوداع إذ خطب فيها ، إن الله تعال قد أعطى كل ذى حق حقه فلا وصية لوارث ، وروى أنه خطب على راحلته وقال: إن الله تعالى قد قسم لكل إنسان نصيبه من الميراث ، فلا تجوز لوارث وصية ، ولا عبرة بإجازة الورثة إذا كان ما أوصى به لوارث لا يرجع إليهم إن ردوه كالوصية لوارث بالكفارة أو بشاة الأعضاء أو نحو ذلك ، وإن كان فيه عمل كالحج والقراءة في موضع فقد يجوز ، ومن وقف مع الحديث عموما منعه ، وإن أوصى لوارث بحق له عليه جاز إجماعا مع انتفاء الريبة ، مثل أن يوصى بأرش ضربة ضربه إياها ، أو بمال له أكله منه بلا رضى ، وخرج من الكل على أنه متواتر ، وإلا فالناسخ آيات الإرث ، والحديث مبين للنسخ بهن ، وبقيت الوصية للأقارب الذين لا يرثون من جهة الأب ومن جهة الأم على ترتيب فذكره في الفقه ، قيل المراد بالأقارب ما يشتمل المشركين ، تأليفا للناس ورعاية لحق القرابة أول الإسلام ، ولما كثير الإسلام شرع الإرث ونسخ الوصية للوارث ، وثبت أن الكافر لا يرث الموحد أو هذه الآية هى الميراث بحسب ما يريد الموصى ، ثم نسخ رد التفصيل إليه بالتفصيل في آيات الإرث { بِالْمَعْرُوفِ } بأن ينوى إنقاذ حكم الله والتقرب إلى الله ، لا الحمية ، أو الفخر أو الرياء ، أو غرضا من أغرضا الدنيا ، وبأن يكون من الثلث ، ولا يفضل الغنى لغناه ، وله تفضيل الفقير ، وأن لا يكون فوق الثلث ، هذا الأخير ، على أن هذه الآية لم تنسخ بالإرث ، بل بينتها آية الإرث ، وبقيت وصية الأقرب غير الوارث ، وأن يكون جزاء على معصية { حَقًّا } حق ذلك حقا ، ولا شك أن ما كتبه الله على العباد حق ، فهو مصدر مؤكد للجملة { عَلَى المُتَّقِينَ } .