{ وَهُوَ الَّذِِى يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ } ينيمكم في الليل ، شبه الإِنامة بالإِماتة فاستعار لها ما وضع للإِماتة وهو التوفى ، واشتق منه يتوفى ، والجامع عدم الإِحساس ، ففى الجسد روح الحياة تخرج بالموت ، وروح التمييز تخرج بالنوم ، وترى المنامات ، أَو روح واحدة تتعلق بالظاهر والباطن حال اليقظة ، وبالباطن حال النوم ، إِذ هى فيه . أَو هى في ظاهر النائم إِذ جسده حى ولا يميز بها باكنه ، فيتوفاكم يقطع تعلقها بالباطن وتزول عنهما في الموت ، وقد قيل: الوم يقطع الحس الظاهر والحس الباطن ، وقيل: لا يقطع الباطن ، وخص الليل مع أَن النوم في النهار أَيضًا لأَنه في الليل أَرسخ وفيه أَصل وأَكثر { وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ } ما كسبتموه في النهار ، أَو كسبكم فيه ، وذلك شامل للإِثم والخير ، ففيه تنبيه وتهديد ، ولا سيما أَنه قيل أَن المراد الإِثم كما هو قول ابن عباس ، ولذلك على القولين لم يقل ينيمكم ، وقيل المراد كل شىء من طاعة ومعصية وغيرهما ، فيراد أَيضًا التنبيه والتهديد ، ومنه تسمية اليد مثلا جارحة ، والطير والسباع جوارح ، لكسبها بيدها ، وخص الكسب بالنهار مه أَنه يقع في الليل لأَنه في النهار أَرسخ وأَكثر كما أَن النوم في الليل أَرسخ ، والنهار مخلوق للحركة والليل للسكون { ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ } فى النهار برد أَرواحكم فيها ، والعطف على يتوفاكم ، ووسط يعلم ما جرحتم بالنهار لبيان ما في يبعثكم من عظم الإِحسان إِليهم بالتنبيه على ما يكسبونه من السيئات ، والبعث تشريح لملاءمته المشبه به وهو الإِماتة ، فإِنه في عرف الشرع مختص بها ولو جاز أَن يطلق حقيقة في اللغة على الإِيقاظ من النوم وعلى كل إِنهاض ، وهذا أَولى من قول بعض الإِيقاظ من النوم قيل يسمى بعثًا حقيقة ، وقيل مجازًا ، وحمل اللفظ على المعنى العرفى كالواجب ، خص البعث بالنهار مع أَنه يكون ليلا أَيضًا لأَن المجعول للنوم الليل ، فالبعث بعده ، وكانوا لا صلاة فجر عندهم حتى أَسلموا ، وأَيضًا من أَسلم يصلى ركعتين في أَول النهار وركعتين في آخره ، ثم ينام ليله كله ، وأَجاز بعضهم عود الهاء لليل ، ويضعف ما قيل إِن المراد بالنهار النهار السابق على الليل المذكور ، فلا دلالة فيه على تأْخير الإِيقاظ عن هذا التوفى ، والواضح أَنه النهار بعد هذا الليل فصل بجملته ليتصل قوله { ثم يبعثكم فيه } بقوله { لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى } إِلى قوله { ثم ينبئكم } إِلى آخره ، فالمراد بقوله « ويعلم ما جرحتم » بيان مجرد الكسب من غير دلالة على الإِيقاظ واليقظة ، واللام يتعلق ببعث أَى يبعثكم لتتم أَيامكم في الحياة الدنيا ، وهى الأَجل المسمى ، ويجوز أَن يراد بقوله يبعثكم البعث من القبور فتعود الهاء إِلى ما جرحتم أَو إِلى جرحكم أَو إِلى أَو إِلى التوفى ، أَى في شأن ذلك كله فيجازيكم ، ولو كان التوفى مسندًا إِلى الله لأَن الإِنامة نعمة يجب عليهم شكرها ، وأَن يتوصلوا بأَبدانهم إِلى عبادة الله D ، وعليه فالأَجل المسمى مد اللبث في القبور ، والمراد ليقضوا أَجلا مسمى ، أَو ليقضى الله أَجلًا مسمى ، ويدل له قراءَة ليقضى أَجلا مسمى بالبناء للفاعل ، ونصب أَجل { ثُمَّ إِليْهِ } لا إِلى غيره { مَرْجِعُكُمْ } رجوعكم بالحساب أَو بالموت ، على أَن قوله يبعثكم بعث من القبور ، والخطاب في ذلك كله للناس أَو الكفرة ، واللائق للنائم: أَن ينام على نية التقوى لى إِطاعة الله وكسب الطاعات ، والكافر ينام مهملا لنفسه ، أَو ينوى القوة على المعصية ، ويكسب المعاصى ، والتراخى بثم بين النوم واليقظة باعتبار أَول النوم وبين البعث من القبور والرجوع إِلى الموقف باعتبار الوصول { ثُمَّ يَنَبِّئُكُمْ } وهذا كناية عن الجزاء { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من طاعة ومعصية .