فهرس الكتاب

الصفحة 4154 من 6093

{ الله نزَّل أحْسنَ الحَديث } هو القرآن ، سماه الله ألفاظا يتحدث بها ، وهو مخلوق ، ولا يشك في ذلك عاقل ، ولا في أنه غير الله ، قال قوم من الصحابة: يا رسول الله حدثنا بأحاديث حسان ، وبأخبار الدهر ، رواه ابن عباس ، وعن ابن مسعود: أصابة الملل الصحابة فقالوا له A: حدثنا فنزلت ، ألا ترى أن الصحابة طلبوا حديثثا يتلفظ به ، فأجابهم الله تعالى بأن القرآن ألفاظ ، فلتحدثوا به ، وإنما يصار الى أنه سماه حديثا مشاكلة لقولهم: حدثنا ، لو صح أن القرآن غير حديث ، ومن الغريب قولهم أن القرآن غير هذه الألفاظ ، وأن هذه اللفظة ترجمة له .

{ كتابًا } بدل من أحسن ، ولا داعى الى جعله حالا مع أنه غير وصف لاحتياجه الى التأويل بالرصف ، وهو مكتوب ، أو الى أن وصفه بالمشتق وهو قوله { متشابهًا } ينزله منزلة الصفة ، ومعنى التشابه شبه بعضه ببعض في الفصاحة والبلاغة ، والصدق والحق { مَثْنى } نعت ثان ، أو حال من ضمير متشابها ، والمفرد مثن بالضم والتشديد ، جمع على غير قياس ، والقياس مثنيات ، أو المفرد مثنى بالفتح ، والتخفيف للتكرير ، فانه يفاد من التثنية ككرتين ، ولبيك ، مرة بعد أخرى للمرار الكثيرة ، وفيه أن باب مثنى وثلاث ومثلث لا بتصرف فيه ، والمعنى في ذلك كله ، أنه تكرر قصصه ومواعظه ، وأحكامه وأوامره ونواهية ، ووعده ووعيده ، فذلك بيان لتشابهه ، ويكرر بالتلاوة ، ولا يمل بالتكرار ، أو جمع مثنية بفتح فإسكان بمعنى الوصف ، كمادحات وممدوحات ، أو اسم مكان جعل وصفا للمبالغة كأرض مقثاة ومأسدة ، أى كثيرة القثاء والأسود ، ويجوز نصبه على التمييز لمتشابها ، محول عن الفاعل كأنه قيل متشابها مثانيه باسكان الياء بعد النون .

{ تَقشعرُّ } بيان لتأثيره في الظاهر بعد ذكر تأثيره في الباطن ، إلا أن تأثيره فيه بتوسط تأثيره في الباطن ، وبعد ذكر أوصافه في نفسه ، والاقتشعرار انقباض الجلد ، وقيام شعره ، لورود مخوف عليه ، وهو مادة على حدة ، والقشع مادة على حدة ، والأولى أبلغ ، وليست الراء زائد ، لأنها ليست من حروف الزايدة ، لكن زاد المعنى بها ، لأن زيادة الحرف تدل في الجملة على زيادة المعنى ، نعم تشديدها زيادة ومعنى ، قول بعض المحققين إنه ضم الى القشع الراء أنه وضع قشع كلمة كلها أصول بالراء ، كما وضع القشع كلمة وهو الجلد اليابس { منْهُ } به { جلودهم الذين يخشون ربهم } يخافونه خوف إجلال ، إذا سمعوا وقرءوا آيات الوعيد مع خوف الرهبة .

{ ثم تلين جلودهم وقلوبهم } تسكن مطمئنة { الى ذكْر الله } ذكر رحمته تعالى ، كما أناه سبقت غضبه ، وذلك كما ورد في الحديث: « أنها سبقت غضبه » فهى لسبقها الى القلوب تعلم ولو لم تذكر في الآية ، ومنها عدم هلاك البدن أو بعضه بالاستغراق في جلاله تعالى ، وعدم الاياس من الرحمة من حيث انه لا طاقة على القيام بحق ذلك الجلال ، فهم يخافون ويرجون ، وقبح الله من يزيد الصفق والتواجد والسكر ، ويتصنع بذلك ، فان كان ذلك حقيقة لا خداعا ورياء ، فهو من الشيطان يعتاده لنحو الرياء حتى صار فيه كالطبع اذا سمع فليقعد على شفير البئر أو حائط ويقرأ آية الوعيد ، أو تقرأ عليه ، أو القرآن كله ، فننظر هل يملك نفسه على السقوط فيها ، كما قال ابن سيرين ، ولا يخلو عن عمد ، لو ادعى الطبع ، ألا ترى أنهم يفعلون ذلك ، ولو لم يكن فيهم ورع أو عبادة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت