فهرس الكتاب

الصفحة 1399 من 6093

{ كَيْفَ } يكون لهم عهد إِلخ . . أَو كيف يثبتون على العهد ، أَو يبقيه لهم الله ، والحال أَنه إِن يظهروا عليكم ، الآية ، فذلك تكرير للإِنكار ، وتنبيه على أَن في قلوبهم غيظا عليكم وقصدًا لإِهلاككم ، فحذف الفعل للعلم به كقول كعب الغنوى من قصيدته التى يرثى بها أَخاه أَبا المغوار التى منها: لعل أَبا المغوار منك قريب ، ما نصه:

وخبرتمانى إِنما الموت بالقرى ... فكيف وهاتا هضبة وقليب

ويروى: هضبة وكليب . أَى فكيف مات أَخى أَبو المغوار في البدو ، وحيث الجبل المنبسط والبير التى لم تطو ، أضو التل من الرمل وأَنتما تقولان إِنما الموت في القرى بالوباء أَو الطاعون ، وقيل الهضبة والقليب جبلان ، وعلى كل هما في البدو والصحيح كثيب بدل قريب لأَن قبل البيت:

لعمر كما إِن البعي\ الذى مضى ... وإِن الذى يأْتى غدا لقريب

وأَراد بعد مطلق يوم بعد يومك ، ولو كان بعد أَيام أَو سنين ويجوز أَن يقدر كيف لا تقتلونهم ولا تأْخذونهم ولا تصحرونهم ولا تقعدوا لهم كل مرصد ، والحال ما ذكره الله D بقوله { وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ } يعلوا عليكم بالغلبة والظفر بكم { لاَ يَرْقُبُوا } لا يراعوا { فِيكُمْ إِلاًّ } يمينًا بأَنا لا نضركم ، وفسر الإِل بالميثاق وما صدق ذلك واحد ، والقربة ، وهو مروى عن ابن عباس قال حسان ابن ثابت:

لعمرك إِن إِلَّكَ من قريش ... كإِل السقب من رأَل النعام

وبالله على أَنه من أَسماء الإِل وبالربوبية وبالتربية وباللمعان ، وكل منهما لا يخلو من معنى الظهور ، وبرفع الصوت الواقع منهم حين الخلف عهدًا ، وبالظهور والقوة وبالأَمان على أَنه لفظ عبرى ، وبالحدة ، وفى اليمين حدة على الوفاء ، وكذا القرابة فيها حدة على المحافظة ، والأَول أَولى ، ويناسب التفسير بالله قراءَة إِيلا كجبرائيل وإِسرافيل وعزرائيل وميكائيل ، ولما قرئ على الصديق رضى الله عنه كلام مسيلمة لعنه الله قال: إِنه كلام لم يخرج من إِل ، أَى من إِله ، وقيل: هو العهد ، والعطف تفسير والأَصل التأسيس { وَلاَ ذِمَّةً } عهد إِلا إِنه يذم على إِضاعته وكل ما يذم على إِضاعته فهو ذمة ، وفسر أَبو عبدة وابن زيد والسدى إِلاًّ بعهد ، فيكون الذمة بمعنى العهد معطوفًا للتأْكيد كما هو وجه في قوله { صلوات من ربهم ورحمة } وفى قوله { بثى وحزنى } وقيل: الذمة: الضمان ، ومن ذلك فلان في ذمتى أَى في ضمانى ، وأَهل الذمة لأَنهم في ضمان المسلمين بالحفظ لهم ، ولا يحسن التفسير به ، لأَن قريشًا ليسوا في ذمة المسلمين ، ولا المسلمون في ذمتهم اللهم إِلا بمراعاة العهود ، أَو الذمة الأَمان كقوله A: « المسلمون يد على من سواهم ، ويسعى بذمتهم أَدناهم » أَى أَمانهم ، فإِذا أَعطى العبد أَمانًا لكافر ثبت ، وكذا إِن أَعطته المرأَة أَو الطفل ، وقد أَجاز عمر أَمان العبد الكافر ، وقدمه على جميع العسكر ، فيكون تأْكيدا لإِلاًّ إِذا فسر إِلاَّ بأَمان ، أَو الذمة كل حق يعاب على تركه { يُرْضُونكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ } إِذا لم يظهروا عليكم ، وما قبل هذا في ظهورهم وهذا في عدمه فهم مشركون من قريش ينافقون إِذا خافوا بإِلانة القول وباليمين الفاجرة فيخدعون المؤمنين والمؤمن غر كريم والكافر خب لئيم { وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ } تمتنع قلوبهم من الوفاء أَشد الامتناع ، وإِنما يستعمل أَبى في الامتناع الشديد لا في الامتناع مطلقا ، فكل إِباء امتناع ولا عكس بالمعنى اللغوى ، والجملة الأُولى مستأْنفة لا حال من واو يرقبوا لأَنهم في حالة انتفاء رقوبهم لا يرضون المسلمين ، بل يضرونهم غاية ما قدروا ، ولأَن المراد إِثبات إِرضائهم المؤمنين بالعهد ، أَو بوعد الإِيمان { وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ } أَى كلهم ، والمراد الأَشقياء ، وصح الكلام فيهم وإِن أَريد ذم فعلهم من شقى ومن سعد فأَكثر على ظاهره ، وذم الفعل إِذا صدر من سعيد ليس براءَة له من الله D فهو في ولاية الله إِلا ذم فعله ولا بد ، أَو تحرز بأَكثر عن بعض المشركين الذين يبعدون عن نقض العهد لدنس النقض ولمروءَتهم ، فالفسق على هذا خصوص الخروج عن العهد ، فمن المشركين من لم يفسق بالعهد أَى لم يخرج عنه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت