{ ومِنْ آياته } الدالة على وجوده ، وكمال قدرته ، وعظم شأنه { الليل والنهَّار } فى اختلافهما ظلمة ونورا ، وتعاقبهما على استمرار وايلاج كل فىلآخر { والشَّمس والقمر } فى استنارتها واختلافهما بقوة النور ، والعظم والآثار والحركات ، وكون القمر تابعا للشمس ، وهى أكبر منه جرها ونورا ، وكون نور القمر من نور الشمس ، وأصله أطلس ، بخلاف الشس ، فانها جرم مضىء بالذات كالنار ، وقيل: ضوؤها من نور العرش ، قابلته فأضاءت ، وأصلها طلساء ومن آياته أنهما يكسفان اذا أراد الله تعالى ، وأكثر ما يكسف القمر في الليالى البيض .
وقد روى أنه سئل الحسن البصرى: لأى شىء يستحب صيام أيام البيض؟ فقال: لا أدرى ، فقال أعرابى: لكنى أدرى فقال الحسن: ما هو؟ فقال الأعرابى: ان القمر لا ينكسف الا فيهن ، فاحب الله لا يحدث في السماء أمرا الا حدثت له في الأرض عبادة ، وقدم الليل لتقدمه خلقة ، مع كون الظلمة عدما ، والعدم سابق على الوجود ، كذا قيل ، وفيه أن المتقدم ظلمة مستمرة لا مقدار مخصوص يسمى ليلا يليه نهار ، ودعوى هذا المقدار تحتاج لدليل ، وقدم الشمس ليتصل ذكرها بذكر النهار ، اذ حصل بها ، وأنها آيته ، ولأنها أهل لنور القمر ، وأعظم منه جرما ونورا .
{ ولا تَسْجُدوا للشَّمس ولا للقمر } لأنهما مثلكم مخلوقان عاجزان { واسْجُدوا لله الَّذى خَلقهنَّ } خلق الليل والنهار ، والشمس والقمر ، والليل والنهار لم يسجد لهما أحد ، كما سجد للشمس والقمر ، لكن لما كان لا علم لهما ، لا اختيار ، كما أن الشمس والقمر كذلك ، وكان أصلهما الشمس ، قرنهما في النهى عن السجود مع الشمس والقمر ، وذكر بعض المحققين أنه قرنهما معهما ، ليدل على أنهما مثلهما في أنه لا علم ولا اختيار ، وهو ضعيف ، لأنهما لا يتوهم فيها أحد أنهما عالمان مختاران ، لانهما معقولان لا حسيان ، كالشمس والقمر ، والاصل في جمع القلة من غير العقلاء أن يرجع اليه ضمير المفرد المؤنث ، ويجوز ضمير جماعة الاناث ، كما هنا ، فان الأربعة كجمع القلة الذى هو بالأصالة لتسعة فأقل ، وقيل: لعشرة وأقل .
ولعل في الآية اعتبار تعدد الليل والنهار ، وتعدد طلوع الشمس والقمر ، فكأنهما شموس وأقمار ، وذلك كثرة وقيل: الضمير للشمس والقمر ، وضمير الكثرة للتعدد بالاعتبار ، ووجه هذا اقول أن الليل والنهار لم يعبدها أحد ، بل عبدت الشمس والقمر ، وقيل: الضمير للآيات من قوله: { ومن آياته } ووجهه أن الشمس والقمر غير جمع ، فالأصل أن لا يرد اليهما ضمير الجمع ، ولا سيما ضمير الكثرة { إنْ كُنْتم إيَّاه } وحده لا غيره ، ولامع غيره قدم للحصر والفاصلة { تَعْبُدون } لأن السجود أقصى مراتب العبادة ، فيخص الله تعالى به ، وهنا يسجد على وابن مسعود والشافعى وعند يسأمون يسجد ابن عباس وابن عمر ، وأبو وائل وبكر بن عبد الله ، وابن وهب ومسروق ، والسلمى والنخعى ، وابن صالح ، وابن وثاب ، والحسن ، وابن سيرين ، وأبو حنيفة والشافعى في رواية عنه ، وهو أصح الوجهين عنه عند الشافعى لأنه تمام المعنى على أسلوب السجود لأن الاستكبار عن السجود مذموم ، ولا يخفى أنه أحوط ، لأنه ان كان محله تعبدون لم يحضر الفصل القليل ، وان كانوا يسأمون لم يحز التقديم .