{ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ } منتهى الأرض من جهة المغرب ، ساحل البحر المحيط الغربى ، وفيه الجزائر الخالدات ينبت فيها الزعفران وغيره بلا حرث ، ومنها يؤخذ الأطوال والأغراض ، وهل المغرب أفضل من المشرق ، ولذلك ابتدأ به ذو القرنين ، ولقربه منه ، ولحركته الشمسية ، وذلك قول المغاربة ، وقال المشارقة: المشرق أفضل .
قال السيوطى: لا قطع بتفضيل إِحدى الجهتين على الأخرى لتعارض الأدلة ، والخلاف في غير مكة والمدينة ، وبيت المقدس ، فالثلاثة أفضل إجماعا .
{ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ } ذات حمأة ، وهى الطين الأسود . يقال: حمئت البئر تحمأ إذا كثرت حمأتها . سأل معاوية كعب الأحبار: أين تجد الشمس تغرب في التوراة ، فقال: سل أهل العزيمة ، فإنهم أعلم بها ، وأما أنا فإنى أجدها تغرب في التوراة في ماء وطين ، وأشار بيده نحو المغرب ، فقال ابن حاضر: عندى ما يؤدى ، فقال ابن عباس: ما هو؟ قال: قول تبع في ذى القرنين:
فرأى مغرب الشمس عند غروبها ... في عين ذى خلب وتلط حرمد
قال ابن عباس: ما الخلب؟ قال: الطين ، قال: فما القلط؟ قال: الحمأة ، قال: ما الحرمد؟ قال: الأسود ، فأحضر ابن عباس غلامًا يكتب ذلك ، ومعنى غروبها في عين حمئة أَنها عندها في رأى العين ، أو تغرب فيها بالتوهم ، كما ترى تطلع من البحر أو الأرض ، وتغرب في أحدهما ، والعين الحمئة: البحر ، فإنه عند الله كالقطرة ، وزعم بعض أنها تغرب من الماء شتاء في الليل ، فيكون سخنًا لطول الليل ، بخلاف ليل الصيف ، والحق أنها لا تزال في السماء تغيب عن موضع ، وتطلع على موضع .
ومعنى سجودها عند العرش في الحديث: سجودها وهى جارية في موضع مخصوص ، تحت موضع مخصوص من العرش ، لأن العرش محيط بالأرض كلها ، وهى أبدًا تحته ، أو شبه غاية انحطاطها كل ليلة بالسجود ، وذلك الانحطاط هو مستقرها ، ولا يصح ما قيل: إنها تسجد تحت العرش فوق السموات السبع ، تسرع سرعة الملائكة ، وترجع إلى موضعها في وقت الفجر ، لأن العيان ينكر ذلك ، ومعاينة شأنها صريح في بطلان ذلك كما يأتى قريبًا بعض ذلك ، بل الخليل رصدها في منارة الإسكندرية ، فرأى الشفق الأبيض ينتقل من حيث غربت ، من موضع إلى موضع في المغرب ، والشمال والمشرق ، حتى طلعت من المشرق ، والله قادر .
ومعنى مسيرها تحت الأرض: أن الأرض حالت بينها وبين أصحاب كل ليل ، وسترتها وهى أكبر من الأرض بأضعاف فيما قيل ، وفى بعض الآفاق تبقى الشمس ظاهرة ستة أشهر ، وتغرب عنها ستة أشهر ، كما في أُمتى عرض تسعين ، وتغيب مقدار ساعة ، ويظهر نورها من قبل المشرق في بعض العروض ، كما في بلغار . وذكر ابن عساكر أنه A قال: