فهرس الكتاب

الصفحة 4298 من 6093

{ ثمَّ اسْتَوى إلى السَّماء } أى توجه ارادته الى السماء ، وانتهت اليه بالتدبير ، يقال: استوى زيد الى كذا بمعنى أنه قصده ، ولا يشتغل بغيره { وهِىَ دُخانٌ } شىء مظلم ، وهو قيل: مادة من أجزاء فرده تركب السماء منها ، ولست أقول بالجواهر المفردة من حيث شرعت في فن الكلام ، ثم رأيت والحمد لله تعالى بعض المحققين من الحنفية قال كما قلت ، ويقال: كان عرشه على الماء ، فأحدث الله فيه سخونة ، فارتفع زبد ودخان ، فخلق الله السموات من الدخان ، وقيل: خلق الله ياقوتة خضراء ، فذابت لجلال الله بأمره تعالى ، فكانت ماء فأزبد فارتفع منه دخان ، فخلق منه السموات ، وله أن يخلق ما شاء مما شاء ، وسخلق ما شاء من غير شىء ، وليس الدخان دخان نار ، لأن النار لما تخلق حينئذ وهب أنها خلقت لكن ليس ذلك دخانها .

وظاهر الآية أن الأرض قبل السماء ، وقد قال: { والأرض بعد ذلك دحاها } وهو يدل على تأخيرها ، والجواب: أن خلق جرم الأرض متقدم على المعنى قضى أن يحدث الأرض في يومين بعد احداث السماء .

{ فقال لها وللأرض ائتيا } بما أودعت فيكما من المنافع وأحضراه ، والأمر للتسخير ، وليس المعنى أحدثا ، فانه قد ذكر حدوثهما قبل إلا أن يقال الفاء للترتيب الذكرى ، فيكون الأمر للتكوين ، أو قضاهن سبع سموات ، معطوف على استوى الى السماء في نية الاتصال ، وقال لها وللأرض الخ في نية التأخير عن قضاهن الخ ، والمراد اتيانهما بما فيهما ، وذكر الاستواء للسماء ولم يذكره للأرض اكتفاء بأنه قدرها ، وقدر ما فيها ، وقيل: اتيان السماء حدوثها ، واتيان الأرض دحوها ، تشبيها للخروج من العدم ، ودحوا الأرض بالتيان من مكان ، وقيل: لتأت كل منهما الأخرى فيما أريد منهما أمرا بالمواتاة بمعنى الموافقة ، فذلك مفاعلة لقراءة ابن عباس آبيا ، وقالتا آتينا بالمد من الايتاء بمعنى الموافقة ، وليس بلازم لجواز أن الايتاء في قراءة ابن عباس المسارعة ، كما فسرها ابن جنى ، أو بمعنى اعطاء أى أعطيا ما أردت منكما .

{ طَوْعًا أو كَرْها } تمثيل لتأثير القدرة بلا مانع ، لأنهما لا عقل لهما ترضيان به أو تكرهان ، وأن فرضناه فما هو معتبر ، والنصب على المفعولية المطلقة على حذف مضاف ، أى اتيان طوع أو كره ، أو على الحالية بالتأويل بالوصف ، أى طائعتين أو كارهتين ، أو بتقدير مضاف ، أى مصاحبتى طوع أو كره ، وهكذا اترك أنت ونحن تقدير ذى بمعنى صاحب في مقام التأويل بالوصف ، ونقدر لفظ مصاحب مكان تقدير ذى لأن ذا ليست وصفا ، بل تأول بالوصف { قَالتَا أتيْنا طَائعينَ } الجمع لأن الاثنين جمع مجازا ، أو لأن الأرض أرضون ، والسماء في ضمن سموات ، وكونه بصيغة العقلاء لخطابهن خطاب العقلاء ، وجواتهن جوابهم اذ وصفتا بالقول ، أو لأن لهن عقلا خلقه الله تعالى لهن حينئذ ، والأصل أتينا طائعات ، واختير التذكير لما ذكر ، فانه يعتبر التأنيث في مقامه ، ولو كان بحسب اللفظ ، كما لو كان بحسب المعنى ، تقول: قالت الهندان: نحن قائمتان ، وقالت الهنود: نحن قائمات أو قوائم ، وقولهما تمثيل للتأثر بالقدرة التامة من الله D ، أو حقيقة بأن خلق الله لهما عقلا ففهمتا ونطقتا ، وبه أقول ، لأنه ظاهر الكلام بلا مانع ، وفيه اظهار قدرته تعالى بانطاق الجماد ، فيقابل ما في الأرض من البلاغة ، وقد زعم أن للجمادات عقولا مستمرة وهو خطأ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت