فهرس الكتاب

الصفحة 1005 من 6093

وما المال والأَهلون إِلا ودائع ... ولا بد يوما أَن ترد الودائع

ويقوى قول ابن عباس أَن المستقر أَقرب إِلى الثبات من المستودع ، فعنه أَن النطفة الواحدة لا تبقى في صلب الأَب زمانا طويلا ، والجنين يبقى في الرحم زمانا طويلا ، وقال سعيد بن جبير: قال لى ابن عباس رضى الله عنهما: هل تزوجت؟ قلت: لا . قال: أَما أَنه ما كان مستودع في ظهرك فسيخرجه الله { قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } ذكر العلم في النجوم والفقه في تخليق بنى آدم لأَن أَمر النجوم ظاهر مشاهد في الاهتداءِ ، وتخليق بنى آدم من نفس واحدة وتصريف أَحوالهم وأَطوارهم غامض . ومادة فقه لما يحتاج إِلى تدقيق نظر وللشق والفتح ، والفقيه من يشق الأَحكام ويفتش عن حقائقها ويفتح ما استغلق من ذلك ، إِن علم الشريعة سمى فقها لاحتياجه إِلى تدقيق النظر للاستنباط ، وأَنفس بنى آدم أَدق صنعا فذلك الاستدلال بها على الصانع أَدق ، وقيل: العلم والفقه بمعنى ، وذكر الفقه لئلا تتكرر الفاصلة وللتفنن ، وقيل: الفقه دون العلم ، كحال من لا يتأَهل للعلم كالحيوانات ، وقد يكون لشئ أَهلية للعلم ولم يعلم فتقول لا يعلم ، ومن لا يستدل من نفسه شبه حمار ، والله المستعان ، امتن الله علينا بإِيجادنا في الآية السابقة وبما نحتاج إِليه في معاشنا بقوله:

{ وَهُوَ الَّذِى أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءٍ } إِلخ ، أَى من السحاب أَو من جهة السماءِ ، قال أَبو على الجبائى من المعتزلة في كل آية فيها إِنزال الماء من السماء أَنها على ظاهرها إِذ لا دليل يخرجها عن الظاهر ، فالله خلق الماءَ في السماء وأَنزله إِلى السحاب ، قلت: هو محتمل صحيح والله قادر أَى يوصله إِلى السحاب في لحظة من مسيرة خمسمائة عام في الهواءِ بعد خمسمائة في الغلط ، وهو منزل بتدريج متوال على مقادير من الزمان متواصلة ، وشاهد القبائل ونحوهم وهم على جبل عال سحابا ومطرا أَسفل منهم ، يقال: ذلك من بخارات تجتمع تحت الأَرض وتخرج وتنعقد ماء كما نشاهد القطر من سقف الحمام ، ولا يلزم من صعودها دائما الإِمطار دائما وأَن لا مطر في الصيف وأَلا يحصل البرد وقت الحر ، ولا أَن تصعد البخار يدعو إِلى تفرقة فكيف ينعقد؟ لأَن الله تعالى أن يفعل ما يشاءُ ، وأَن يحدث مانعا ، والآية أَيضا نعم بالغة وإِحسانات كاملة ، وفى الآية تغليب الماضى على الآتى ، لأَن ما مضى أَكثر وفيه استدلال على المستقبل . { فَأَخْرَجْنَا بِهِ } مقتضى الظاهر فأَخرج به ، لكن لفظ التكلم إِظهار لكمال العناية بشأن ما أَنزل الماءَ لأَجله ، وإِظهار أَيضا لعظم آثار قدرته لعظمه موجده ، وزاد تفخيما بضمير العظمة إِذ لم يقل فأَخرجت بالتاء المضمومة ، أَو أَنزل المنتظر منزلة الواقع ، لكن يفوت الكلام على ما مضى أَو يشمله فيكون من استعمال الكلمة في الحقيقة والمجاز ، وفى الالتفات مطلقا تطرية ، وهنا زيادة أَن العارف يتقوى بما مضى من طرق الغيبة حتى يتأَهل لأن يكون الكلام معه بطريق التكلم وهو أَقوى ، والتعقيب بالفاء للمبالغة ، أَو هو في كل شئ بحسبه ، وفى بعض المواضع والأَزمنة يتصل إِخراج النبات بالإِنزال ، أَو هى هنا لمجرد السببية ، أَو بمعنى الواو ، أَو يقدر مضت مدة فأَخرجنا به { نَبَاتَ كُلِّ شَئٍ } يتصف بأَنه ينبت ، فما لا يكون له نبات لا يدخل في قوله كل شئ ، والنبات مالا ساق له ، وقيل مالا ساق له وما له ساق على اختلاف ذلك لونا وطعما ومنفعة مع اتحاد الماءِ فذلك من أَدل دليل على كمال القدرة ، قال الله عزو جل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت