{ تسقى بماءِ واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل } وذلك إِجمال فصله بقوله { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا } من الماءِ أَو من النبات وهو أَولى لأَن إِخراج الخضر من النبات بلا توسط ، وإِخراج الخضر من الماءِ بتوسط النبات ، إِلا أَن يقال هو أَول خروجه بالماءِ من الأَرض غير أَخضر ، ويبعد جعل من للسببية ، والخضرة قيل لون بين البياض والسواد وهو إِلى السواد أَقرب ، ولذلك يقال للأَخضر أَسود وبالعكس ، ولا لون للماءِ ، ويقال: لونه البياض في الظاهر فيقال: أَخرج الله D من الماءِ الأَبيض ثمارا مختلفات اللون والطعم ، والهاءِ للماءِ ، فهو يخرج بالماءِ من الأَرض أَخضر وخضرا بمعنى أَخضر كعَوِر وأَعور ، أَى شيئا خضرا ، أَو نباتا خضرا ، وقيل: المراد هنا مالا ساق له ، وفى العرف النبات مالا ساق له والنجم ماله ساق ، وخص عند العامة في بعض البلاد بما يأكل الحيوان فإِن البر والشعير مما له حب ولهما ساق وهما ونحوهما داخلة في قوله D { نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا } كسنابل البر والشعير والذرة والسلت والدخن ، والجملة نعت خضرا لنيابة خضرا عن نباتا أَو شيئا ، ولك طريق آخر وهو أَنه نعت ثان للمحذوف أَو مستأَنفة في جواب سؤال لبيان ما يعتبر به ، والأَول أَولى ، وهذا المضارع للتجدد والاستمرار أَو لحكاية ما مضى من الأَشياءِ استحضارًا لها كأَنها مشاهدة ، وإِلى التركيب والخضرة إِشارة القائل بقوله يصف المطر:
يصب على الآفاق بعض خيوطه ... فينسج منه للثرى حلة خضرا
{ وَمِنَ النَّخْلِ } خبر { مِنْ طَلْعِهَا } بذل بعض لا بدل اشتمال كما قيل { قِنْوَانٌ } مبتدأ أَو من النخل معطوف على منه والمعطوف على حبا محذوف ، أَى وأَخرجنا من النخل نخلا ، ومن طلعها خبر لقنوان ، والجملة نعت لنخلا المقدر ، وذلك معطوف على معمولى عامل ، ولا إِشكال في إِخراج نخلة من نخلة لأَنها من نواها أَو مقطوعة منها { دَانِيَةٌ } الطلع أَول ما يخرج وهو مشتمل علىثمارها ، ويقال له الكفرى لأَنه يكفر ثمارها ، أَى يسترها ، والقنوان جمع قنو وهو ثمار النخلة وشماريخها التى جمعها طرف العرجون ، ويقال لمجموع الثمار والشماريخ كباسة وعذق بكسر العين وإِعجام الذال مثل عنقود العنب ، ودانية قريبة لمن يتناولها ، أَى سهلة التناول ولو كانت بطلوع ، أَو قريبا بعضها من بعض ، أَو خص سهلة التناول أَو قرب قنو من قنو لزيادة النعمة أَو لدلالة الشءِ على ضده ، أَى وقنوان دانية التناول وبعيدة عنه ، أَو متدان بعضها من بعض لكثرتها ، وغير متدان لقلتها مثلا ، وذكر الطلع قيل لأَنه طعام وإِدام بخلاف سائر الأَكمام ، وقدم النبات قيل لتقدم القوت على الفاكهة ومثنى قنو قنوان بكسر النون بلا تنوين ، وحذف للإِضافة وحدها ومع الأَلف للنسب ، وقنوان إِذا كان جمعا ينون ويثلث نونه بالإِعراب ولا تحذف للإِضافة وتحذف مع الأَلف للنسب لأَنه ينسب إِلى المفرد إِلا إِن كان جمع التكسير شبيها بالمفرد كالأُصول من قولك أُصول الفقه لأَنه بمعنى فن مخصوص ، وكذلك في صنوان وصنوان ، ورئد ورئدان ، وشغد وشغدان ، وحش وحشان بمعنى البستان كذا قيل ، وإِذا وقف على النون في ذلك لم يعلم الجمع أَو التثنية إِلا بقرينة { وَجَنَّاتٌ } عطف على نبات عطف خاص على عام ، أَو على نخلا المنصوب المقدر في قوله ومن النخل من طلعها ، أَو على خضرا لقربه والأَول أَولى فيكون اعترض بالنخل للمنة إِذ هو فاكهة وطعام ، وضعف العطف على خضرا لا الشجر وهو المراد من النبات ليس بمخرج من النبات كإِخراج الخضر منه ، نعم يصح إِذا جعلنا النبات عاما لما لا ساق له وما له ساق { مِنْ أَعْنَابٍ } ثمار شجر العنب سمى شجر العنب أَعنابا لأَنها أَصل لثمارها أَو يقدر مضاف أَى من شجر أَعناب ، وكذا في قوله { وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ } عطفا على نبات عطف خاص على عام لمزيتهما ، ولمزيتهما ناسب أَن يقدر واذكر الزيتون والرمان ، وقد قيل إِن النصب على الاختصاص ، ولا مانع أَن يقدر هنا شجر لأَن الزيتون والرمان مخرجان من النبات أَى وأَخرجنا من النبات ثمارا تسمى زيتونا ورمانا { مُشْتَبِهًا } ورقها في اللون وفى الشكل { وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } ثمرها لونا وشكلا وطعما والنصب على الحال من الزيتون والرمان ، ولم يقل مشتبهين وغير متشابهين بالتثنية لأَن الفاعل مستتر عائد في الأَول للورق وفى الثاني للثمر لدلالة المشاهدة للشجرتين وهذا مما يقوى تقدير الشجر ، أَى وشجر الزيتون وشجر الرمان ، بخلاف ما لو أُريد الثمار وحدها فإِنه لا ورق فيها تشتبه ويجوز عود مشتبها وغير متشابه إِلى جميع ما ذكر بتأويل ما ذكر أَو بمراعاة قولك مشتبها ورقه وغير متشابه ، أَما إِن رددناها للرمان فقط لقربه وقدرنا مثله للزيتون أَو بالعكس فلا إِشكال في الإِفراد ، ثم إِنك إِما أَن ترد متشابها إِلى مشتبه من الافتعال بمعنى التفاعل كاجتوروا بمعنى تجاوروا ، ومعنى ذلك في الرمان تشابه الورق واختلاف الطعم بالحموضة والحلاوة وكونه مزا ، وحمرة الحب وبياضه وكذا القشر واليزتون متشابه الورق مختلف الثمار بالصغر والكبر أَنواعا بعضها كبعر الشاة أَو أَكبر ، وبعضها كبعر البعير أَو أَصغر ، ومما يناسب إِرادة الشجر في الزيتون والرمان قوله تعالى { انْظُرُوا } يا من يصلحون لنظر الاعتبار { إِلَى ثَمَرِهِ } ثمر شجر الرمان أَو ثمر ما ذكر من شجر اليزتون والرمان أَو ثمر ما ذكر كله أَو إِلى ثمر الله { إِذَا أَثْمَرَ } أَبدى الثمر أَول يخرج ضعيفًا لا نفع فيه ، وإِسناد الإِثمار إِلى الشجر مجازا لعلاقة السبب العادى أَو المحل ، والمعنى إِذا صار ذا ثمر ، وإِذا فسر اليزتون والرمان فيما مر بالثمار فالهاء عائدة إِليهما بمعنى الشجر على طريق الاستخدام ، وإِن فسرا فيما مر بالشجر فلا استخدام ، وكأَنه قيل انظروا إِلى ثمر ذلك الشجر { وَيَنْعِهِ } وإِلى ينعه ، أَى نضجه ، كيف يتلون وينفع ويقوى ويجمع منافع ، والمراد إِلى حال ثمره وحال ينعه ، أَو ينعه جمع يانع أَى نضج ، والحاصل أَن الثمار تتبدل وتنتقل إِلى أَحوال مضادة لأَحوال سابقة والماء واحد والأَرض واحدة ولا بد لها من سبب في التغيرات وليس تأثيرا للطبائع والفصول والنجوم والأَفلاك لأَن نسبتها إِلى جميع النبات واحدة ، وكثيرًا أَيضًا ما يكون ذلك التغاير في فصل واحد والنسب المتشابهة لا تكون أَسبابا لحوادث مختلفة فبان أَن ذلك بقدرة الله وحده ، وما كان بالطبع فيما يظهر لك فإِن الله سبحانه هو الخالق للطبع ومسبب الأَسباب ومؤثرها ، وهو الفاعل المختار لبعض الجائزات عن باقيها { إِنَّ فِى ذَلِكُمْ } فى ذلكم المذكور من فلق الحب والنوى والإِصباح وجعل الشمس والقمر حسبانا وإِخراج الحى من الميت والميت من الحى وإِخراج النبات والتشابه وغيره والإِثمار والينع { لآيَأتٍ } دلالات على وجود قدرته على البعث عظيمة أَو كثيرة أَو عظيمة كثيرة استعمالا للتنوين في معنيين ، أَو للتنكير { لِقَوْمٍ يُؤمِنُونَ } وغيرهم وخصهم بالذكر لأَنهم المنتفعون ، أَى لقوم كتب الله لأَن يؤمنوا أَو يزدادوا إِيمانا .