{ أَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ } أى المشركين منهم ، وأما المؤمنون فليسوا في هذا المقام ، ولا يدعون إلى عبادة غير الله ، ومن عَبَده فقد ضل وحده .
{ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِى } أتجهلون عداوته فتتخذونه ، أو أتكفرون نعمتى فتتخذونه وذريته أولياء بدلا منى ، وتطيعونهم بدل طلبتى ، أو الذرية أتباعه مطلقا من الجن والإنس تسمية للكل باسم البعض ، قيل: إبليس لم يتزوج ولم يلد ، وإنما الجن والشياطين ممن قبله ، وقيل: كان ملكًا ، ولما عصى مسخ ، وجعل يتزوج ، وقيل: يدخل ذَنَبه في دبره فيلد ، فيبيض ، وتفلق البيضة عن شياطين ، وهو قوله تعالى { ذريته } وهو الصحيح .
والمانع بقول ذريته أتباعه كما يقال للأتباع: الإخوان ، ولا يولد آدمى إلا ولد معه شيطان يقرن به ، ويقال: ولد خمسة: تبر وهو صاحب المصائب ، والأعور وهو صاحب الزنى اسم يدخل مسمع الرجل الذى يدخل بيته ولم يسلّم ، ويأكل معه إذا لم يسمّ ، ومسوط وهو صاحب الصخب ، وقيل: صاحب أخبار الكذب ، يلقيها على أفواه الناس ، وزليفور وهو الذى يفرق بين الناس ، ويبصر الرجل عيوب أهله ، وقيل: صاحب الأسواق .
ويقال: إن جميع ذربته من خمس بيضات ، ويجتمع على المؤمن الواحد أكثر من ربيعة ومضر ، ويجوز أن يراد بالذرية أولاده وأتباعه جمعًا بين الحقيقة والمجاز أو حملا على عموم المجاز ، وقيل: يلد بذكر في فخذه اليمنى ، وفرج في اليسرى .
{ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ } فى الدين والدنيا ، والمعنى والحال أنهم أعداء لكم ، كما أنهم أعداء الله وذلك كفر لنعمة الله ، وصداقة لأعدائه .
{ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا } من الله ، والمخصوص بالذم محذوف تقديره إبليس وذريته ، وهم مخلوقون خلقهم الله ، وليسوا خالقين للسموات والأرض ، ولا لأنفسهم فكيف يستحقون العبادة ، وعرض ذلك بقوله:
{ مَا أَشْهَدْتُهُمْ } ما أحضرتهم أى إبليس وذريته { خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ } حين خلقت ذلك فاللفظ لنفى إحضارهم ، والمعنى لكون الله الخالق لا هم فكيف يُعبدون ، أو ليسوا ممن يبالى بهم ، فكيف أحضرهم منذ خلق السموات والأرض ، وخلق أنفسهم ، فهذا تعريض بحقارتهم ، هم لا يعتبرون إلا بالانتقام منهم ، ولا يتقوَّى بهم ، والله كامل القوة ، لا يتقوَّى بهم ولا بغيرهم .
إن قلت: حضور الشئ لنفسه قبل وجوده محال ، فكيف قال: « ولا خلق أنفسهم » ؟
قلت: المعنى ولا أشهدت بعضا منهم ، موجودًا لخلق بعض منهم ، غير موجود ، كقوله تعالى: { ولا تقتلوا أنفسكم } أو ما أحضرت بعضًا خلق بقية جسده .
{ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا } كعضد اليد أتقوى به ، يقال: عضده قوَّاه ، والمضلين إبليس وذريته من وضع الظاهر موضع المضمر ، ليعيب عليهم بذكر الإضلال ، فهم سفهاء مناقضون لما دعوا إليه من الحكمة ، والحكيم لا يتخذ السفيه عضدًا ، فكيف أحكم الحكماء بأسفه السفهاء .