وكان فتى من جند إِبليس فارتقى ... به الحال حتى صار إِبليس من جنده
ونصب الصراط على الظرفية المكانية ، ووجهه أَنه مبهم باعتبار أَجزاء دين الله فإِنه عدو الله يقعد في كل جزءٍ أمكنه . ولو لم نعتبر هذا إِبهاما لم ينصب على الظرفية بل نقول نصب شذوذا على الخافض وهو في أَو على وذكر بعض شراح كتاب سيبويه في قوله: كما عسل الطريق الثعلب . أَنه يكفى في الإِبهام النظر إِلى أَصل الوضع ، والطريق في أَصل وضعه كل أَرض تطرق أَى يمشى عليها ، ثم خص بممر السابلة دون الجبال والأَوهاد ، فالآية من ذلك باعتبار ما ذكره فإِن المراد بالصراط دين الله D مستعار عن طريق الأَرض ، أَو مفعول به لتضمن أَقعد معنى لازم ، والآية استعارة تمثيلية ودونها أن تكون كناية ، وفى الآية تلويح بأَنه لعنه الله يقعد للقطع عن دين الله D قعود قطاع الطريق للسابلة ، وفى تقدير على تلويح بالاستيلاءِ على الطريق والمواظبة على الإِفساد حتى لا يلحقه فتور عن الإِغواءِ ، وذكر الجهات الأَربع مبالغة بأَنه يغويهم بكل ما أَمكن ، ولم يقل ومن فوقهم ومن تحت أَرجلهم لأَن الجهتين لم توجدا في المشبه به وهو مثلا الإِنسان يهلك الآخر من الأَربع لا منهما ، وكذا في الكنابة ، ولأَن الإِتيان من تحت يوحش فلا يطاع ، والإِتيان من فوق يمنع منه نزول الرحمة ، ولما قال - لعنة الله- ذلك رقت الملائكة عليهم ، فقالوا: يا إِلهنا كيف يتخلص الإِنسان منه ، فأَوحى الله إِليهم أَنه بقى للإِنسان جهتان فإِذا رفع يديه في الدعاءِ إِلى الفوق على سبيل الخضوع أَو وضع جبهته على الأَرض على سبيل لاخشوع ، غفرت له ذنب سبعين عاما ، وبدا بقدام وخلف لأَن الشجاع القوى يأتى مواجها وإِذا أَراد الاغتيال بالمكر فجأَة فمن خلفه فمن بين أَيديهم من حيث يعلمون ويقدرون على التحرز ضد من خلفهم ، وعن أَيمانهم وعن شمائلهم من حيث يمكن التحرز ولم يتحرزوا ، وكان الجهتان بمن الابتدائية لأَنهما الغالب والأُخريان بعض لأَن الأَصل في المجئ غيرهما ، وإِنما يأتى العدو منها لداع يعرض فهو كالمنحرف المجاوز ، وأَيضا ينفر عنهما للملكين فيهما ، وقدمت الأَيمان لقوتها فالشجاع الأقوى يباشر الجهة القوية من عدوه ولا يبالى ، ومن بين أَيديهم من إِنكار البعث والحساب والجنة والنار والتثبيط عن العمل الصالح وعن التوبة فإِن الآخرة مستقبلة ، ومن خلفهم الدنيا لأَنهم في الارتحال عنها يغريهم بلذتها أَو بالعكس لأَن الدنيا حاضرة كالشئ بين يديك والآخرة غير مشاهدة كالشئ خلفك ، أَو عن أَيمانهم حسناتهم لأَن اليمين لمناولة الشئ الحسن وشمائلهم سيئاتهم لأَن الشمال لمناولة الشئ الخبيث ، يقال هو عندنا باليمين ، أَى بمنزلة حسنة عكس هو عندنا بالشمال ، ولا تجد أَكثرهم شاكرين جواب ثالث للقسم قاله ظنًا ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ، أَو رآه في اللوح المحفوظ ، أَو أَخبره به الملائكة الذين أَخبرهم الله ، أَو رأَوه في اللوح ، ووجه ظنه أَنه رأَى كثرة دواعى الشغل عن الطاعة كالحواس الخمس الظاهرة ، فقيل والخمس الباطنة وقوة الشهوة وهى في الكبد وقوة الغضب وهى في البطن الأَيسر من القلب والقوة الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة وهن جسميات تدعو إِلى اللذات مع شياطين الإِنس والجن ، فله داعى الطاعة وهو واحد وهو العقل ، ويقال القوى أَربع خالية تجتمع فيها المحسوسات في البطن المقدم من الدماغ وأَشار إِليها بقوله D من بين أَيديهم ، ووهمية تحكم في غير المحسوسات وهى في البطن المؤخر كما قال ومن خلفهم ، وشهوانية محلها الكبد عن يمين الإِنسان كما قال وعن أَيمانهم ، وعضبية وهى في القلب عن يسار الإِنسان كما قال D وعن شمائلهم .