فهرس الكتاب

الصفحة 1725 من 6093

أَخبر الله سبحانه وتعالى عنه عليه السلام أَنه استعجل قومه وهم أَقوى البشر وكثيرون ليظهر لهم عجز أَنفسهم وعجز آلهتهم عن أَن تنصر نفسها وتدفع عن عابديها ، فكيف يعبدونها ، أَو الخطاب في كيدونى ولا تنظرون لقومه خاصة فإِذا عجزوا فكيف تنتصر آلهتهم وهى جماد . وذلك إِما مدح لهم بأَنه أَظهر الإِيمان والاستيثاق بالله الراسخين ، وإِما مدح له بأَنه عليه السلام تعرض لإِراقة دمه في الله حُبًّا له وثقة به ، ولو قيل آمن معه آربعة آلاف لأَنه برز بهذا اللفظ وحده ولا يمنعونه من ضر لو وقع به وأَيضًا قال هذا القول قبل أَن يكون معه هؤُلاءِ ، ولما ذكر من الاستيثاق والثقة قال { إِنِّى تَوكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّى وَرَبِّكُمْ مَّا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } تعليل جملى معنوى كأَنه قيل لا أُبالى بكيدهم ولا أَخافه لأَنى توكلت على الله ، إلخ فإِنه مالكى ومالككم فلا تقدرون على مضرتى إِن لم يقدرها وإِنى واثق بمن هو كذلك سبحانه ، واختار الماضى لأَنه أَدل على الإِنشاءِ فهو إِنشاءٌ للتوكل لا ينقطع ، والإِخبار بالإِنشاء جائِز نحو زيد هل قام ، وبرهن على ذلك بقوله ما من دابة إِلأخ ، وأَنتم من جملة الدواب فلا يفوته عقابكم على ظلمكم ولا تضرون ولا تنفعون إِلا بإِذنه D ، وقدم ربى على ربكم لأَن المقام للمحافظة على نفسه وللنعى عليهم بأَن الرب واحد وهو مقر به ، والمراد بالدابة هنا ما له روح وينتقل ولو طائِرا أَو حوتًا أُو ملكًا أَو جنا ، والأَخذ بالناصية كناية عن التملك التام ، شبه أَثر قدرته على كل شىءٍ وتصرفه له بتمكن الإِنسان من آخر بحيث لا يرده عما أَراد ، وذلك استعارة تمثيلية ، والناصية مقدم الرأْس جلد أَو مع شعر وإِطلاقه على الشعر خاصة مجاز ، وقولهم تسمية للحال باسم المحل كأَنه صريح في أَن الناصية موضوع لجلد مقدم الرأْس خاصة ، وعلى ما ذكرت للبعض باسم الكل وياؤُه عن واو قلبت لكسر ما قبلها يقال نصوته بمعنى أَخذت بناصيته { إِنَّ رَبِّى عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } على الصواب والعدل لا يجوز بترك ظالم مصر بلا عقاب ونقص مظلوم حقه ، كمن وقف على الطريق الجادة يمنع المارة من الفساد ويمنع عنهم الضر مثل إِن ربك لبالمرصاد ، فذلك استعارة تمثيلية ، وقيل المعنى إِن مصيركم إِليه تعالى للجزاءِ بالحق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت