فهرس الكتاب

الصفحة 1818 من 6093

« اتقوا فراسة المؤْمن فإٍنه بنور الله يبصر » كذلك قيل في تعريف الفراسة وهو غير جامع ، فإِن الفراسة لا تختص بالمؤْمن ، كما أَن العزيز إِذ ذاك غير مؤْمن فالأَولى أَن الفراسة هى التفطن الغامض؛ فالفراسة خاطر ينشأُ من قوة الفهم ، وسأَله مالك بن ذعر بعد ما باعه من أَنت وابن من أَنت فأَخبره ، فقال: لو علمت لم أَبعك ، فسأَله الدعاءَ فدعا له بالبركة فحملت امرأَته اثنى عشر بطنا في كل بطن غلامان { وَكّذَلِكَ } كما مكنا محبته في قلب العزيز بحيث لا يصبر عنه ، أَو كما مكنا له في منزل العزيز بمعنى جعلنا له مأْوى كريما في منزل العزيز ، أَو كما أَنجيناه من كربة الجب وعطفنا عليه قلب العزيز { مَكَّنَا لِيُوسَُفَ } وإِنما لم يق لمكنا له لأَنه لم يذكر يوسف في قوله: وكذلك { فِى الأَرْضِ } جعلنا له في سائر الأَرض مكان قبول ووجاهة وملك وتصرف { وَلِنَعَلِّمَهُ } عطف على محذوف أَى ليتصرف فيه بالعدل ، ولنعلمه ولنملكه ، أَو فعلنا لنعلمه { مِنْ تَأْوِيِل الأَحَادِيثِ } والواضح أَن اللام للعاقبة ، أَو يقدر أَصبنا يوسف بتلك المصائب لنعلمه؛ أَى لنثيبه عليها بالتعليم ، أَو تجعل الكاف للتعليل والإِشارة لما أُصيب به يوسف ، أَى مكنا له في الأَرض لكذلك الذى أصابه ، وأَصابه ذلك لنعلمه ، وأَما ما مر من جعل التعليم علة للتمكين فلا يظهر تقديم التمكين معلولا للتعليم بعده ، والمراد تأْويل الرؤْيا أًو تفسير ما أَدركه من كتب الله وكلام الأَنبياءِ قبله ، وليس المراد بمن القلة بل المراد تعلمه جملا من التأْويل ، ولو كان « من » للتبعيض وليعلم من تأْويل الأًحاديث ، ولما كان العلم لازما للتعليم ومسببا له عبر عنه بالتعليم ، فبعلمه يدير مصالح العامة والخاصة بالعدل ، ومن ذلك تفسيره الرؤيا بسبع سنين القحط { وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ } على أَمر الله لا يمنعه عنه شىءٌ ولا ينازعه فيه أَحد وذلك على الإِطلاق ، وشمل أَمر يوسف ، أَو المراد لا يرده أَحد عما شاءَ في شأْن يوسف من إٍعلاءِ منصبه حتى كان سعى إِخوته في كيده سعيا في علو شأْنه ، وعلى هذا فالهاءُ الله أَو ليوسف { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } أَن الله غالب على أَمره لا شىءَ منه لأَحد ، فيتوهمون وقوع ما لم يرد وقوعه كالمشركين والمعتزلة ، أَو يقتصرون على ما يظهر لهم فيقصدونه ولا يعلمون ما يتولد منه وما يصرفه الله إليه ، وقليل من الناس علم ذلك ، وقيل أًكثر الناس المشركون ، وقيل أَهل مكة ، وقيل أَهل مصر ، وقيل قصد بالأَكثر الكل لكن على معنى أَنه لا يطلع أَحد على الغيب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت