« رحم الله أَخى يوسف لو دعيت من السجن لأَعجلت الخروج » ولفظ الطبرانى وابن راهويه وابن مردويه عن ابن عباس وابن مسعود رضى الله عنهم: لو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأَسرعت الإِجابة ، وفى رواية: « لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئِل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أَخبرتهم حتى يخرجونى ، ولقد عجبت منه حين أَتاه الرسول فقال: راجع إِلى ربك ، ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأَسرعت الإِجابة وبادرتهم الباب ، ولما ابتغيت العذر إِن كان لحليما ذا أَناة » قال A ذلك تواضعا ، وإِلا فحلمه وصبره ليس دون يوسف ، وقوله: يغفر الله له توقير كما يقال: عفا الله عنك ما جوابك ، أَو قال: غفر الله له لاشتغاله بإِظهار براءَة نفسه عن تبليغ التوحيد ، وفيه أَن الاشتغال بذلك شهيد لقبول قوله: لأَن الأَنبياءَ مبرءُون عما يتهمون به ، أَو قال A: لو كنت إِلخ تعليما للسامعين ، لانتهاز الفرصة ، وقد يظهر للملك أَمر يمنع من إِخراجه حين تأَخره عن الخروج ، أَو ذلك جرى على مقتضى سعة رحمة الله أًكثر من وسعها على غيرها { قَالَ } الملك { مَا خَطْبُكُنَّ } الخطب الأَمر العظيم الذى يحق أَن يخاطب في شأْنه أَو لأَجله صاحبه ، ويخطب فيه الناس ، ولذا قال الجوهرى: الخطب سبب الأَمر { إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُف عَنْ نَفْسِهِ } أَراد زليخاءَ أَو راعيل ، والاسمان لامرأَة العزيز ، وهى التى راودته وحدها ، وخاطبهن بالمراودة كلهن سترا عليها وهى في جملتهن حاضرة ، فذلك حكم على المجموع كل لا كلية ، وقيل: راودنه كلهن ، وقيل: عد قولهن أَطع مولاتك مراودة؛ لأَن قولهن تحصيل لمراودته زليخاءَ ، وكذا يوسف ، إِذ قال: ما بال النسوة ، ولم يقل ما بال زليخاءَ فعلت ما فعلت ، إِبقاءً عليها وأَدبا معها ومراعاة لما سبق من إِكرامها إِياه وإِذ متعلق بخطب ، إِذ المعنى؛ ما فعلتن إِذ راودتن يوسف عن نفسه؟ هل وجدتن منه ميلا إِليكن { قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا علِمْنَا علَيْهِ مِنْ سُوءٍ } زنا أَو إِشارة إِليه أَو خيانة أَو ذنبا ، وذلك تعجب من قدرة الله تعالى على خلق عفة يوسف مع وجود الملاذ ، وذلك بعد إطلاعهن على براءَته ، وسمى الذنب سوءًا؛ لأَن القلب يغتم به { قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ } تبين بعد خفاءِ قاله الخليل ابن أَحمد - C - أَو بانت حصة الحق من حصة الباطل وتميزت ، وهو راجع إِلى ما قال الخليل ، وقيل معناه ثبت ورسخ ، كما يقال حصحص البعير القرب مجازا ، فيصح على الماضى والمستقبل ، وهو اسم لدخول أَل وحرف الجر ، يقال إِلى الآن ومن الآن بفتح النون وهل ولعل ، وضع من أَول الأَمر على أَن المعنى الإِشارة ، فلا يعترض بأَن اسم الإِشارة لا يدخله أَل وأَلفه عن واو لأَنه يفسر بالأَوان ، أَو عن ياءٍ من آن يئِين قرب ، واعترض بأَنه ليس بمعنى القرب { أَنَا رَاوَدْتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ } لا هو راودنى ، ومثل هذا اختصاص هو كالحصر كقوله: أَنا فعلت أَى لا غيرى { وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } فى قوله: هى راودتنى ، هذا أولى من قولها إِنه لصادق؛ لأَتنه كالبرهان ، قالت ذلك لما رأَت منه الستر عليها ومراعاة الأَدب معها ، إِذ قال: ما بال النسوة ، ولم يذكرها مع أَن الفتنة كلها من جهتها .