{ وَبِنِعْمَةِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ } يستمرون على الكفر ، كأنه قيل لا يجحدون إلا ينعمه ، ولا يؤمنون إِلا بالباطل ، ولا يكفرون إلا بنعمة الله
والاستفهام التوبيخي منسحب على قوله: { وبنعمة الله } كأنه قيل أو بنعمة الله هم هم يكفرون ، وكذا انسحب على قوله:
{ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } يستمرون ومعنى كفرهم بنعمة الله إِضافتهم إياها للأصنام ، وتحريم المحلل كالبحيرة ، وذلك أن إِثبات الألوهية لغير الله إثبات لبعض النعم لغيره ، لأن الإله منعم ، وقيل الباطل الشيطان ، والنعمة محمد A ، وقيل: الباطل ما حرم الشيطان من نحو البحيرة ، ونعمة الله ما أحل الله D ، وشيئا مفعول لرزنًا من أعمال المصدر المنون أى ما لا يملك لهم أن يرزق شيئا ، وإن جعل بمعنى ما يرزق به الإنسان ، فشيئًا يدل رزقا مؤكد له ، جعل تنوينهما للتحقير أولا ، إِذ شئ أم ومن متعلق برزقا لا يرزقهم من جهة السماء ، لا من جهة الأرض ، أو محذوف نعت لرزقًا ، ومفعول يستطيع محذوف ، أى لا يستطيعون ملك رزق ، وهو منزل كاللازم بمعنى لا استطاعة لهم ، والواو لما في قوله: ما لا يملك ، مراعاة لمعناها ومراعاة لفظها ، وهو جائز وهو جماعة الأصنام التى يعدونهاعقلاء عندهم ، أو نحو عقلا ، أو للكفار لا يستطيعون وهم عقلاء تحقيقا ، فكيف الأصنام الجمادات .
وذكر هنا هم دون سورة العنكبوت ، لتقدم قوله تعالى: { والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون } المفيد لأتم التأكيد ، فيستغنى عن التأكيد بقوله هم ، أو جئ به هنا لسرد النعم على أتم وجه ، فكان التأكيد في بيان كفرهم أنسب ، ولا سرد لها في سورة العنكبوت كذلك .
أو لأن آيات سورة العنكبوت استمرت على الغيبة ، وهنا تقدمت خطابات فجئ بقوله هم تأكيدًا في إظهار الغيبة المنتقل إليها لئلا يسبق توهم أحد إلى أن يقرأ تؤمنون وتكفرون بالخطاب ، وهذا ليس فيه ما يعترض عليه ، بأنه لا مقتضى للزوم الغيبة ، وأنه لا لبس في ترك قوله هم ، وإنما زاد هنا هم دون قوله: أفبالباطل يؤمنون ، لئلا يتوهم أنه تكرير لقوله: أفبنعمة الله يجحدون ، ففصل بالمبالغة والتأكيد ترقيًا في الدم ، وللجرى على عادة العرب في أنهم إذا أنكروا على أحد شيئًا جدًا أتوا بكلام آخر أذم من الأول ، لئلا تكون الفاصلة الأولى زادت على الثانية وقال هنا: يكفرون ، وهنالك: يجحدون لتقدم ضرب المثل هنالك ، وهو أقبح ، فناسب الجحد .