نزلت الآية في صرمة بن قيس ، صنعت له زوجه طعاما فأخذه النوم من شدة تعبه نهارا ، فأيقظته فامتنع من الأكل بعد النوم ، ففى نصف النهار من بعد الليل غشى عليه ، ولما أفاق أتى النبى A فأخبره ، فنزلت .
وكان رجال يربطون في أرجلهم الخيط الأبيض والخيط الأسود ويأكلون حتى يمتاز ، أو ذلك قبل أن ينزل من الفجر ، وكذا جعل عدى رضى الله عنه عقالا أبيض وعقالا أسود في وسادته ، وجعل ينظر ولا يتبين له الأمر ، فعذا إلى رسول الله A ، فأخبره ، فقال A « إن وسادك لعريض أو إنك لعريض القفا » ، ذلك سواد الليل وبياض النهار ، ثم نزل من الفجر ، كما فهمه A ، أو نزلت قبل إخباره ، ولا تلبس الآية بالفجر الكاذب لأنه يعقبه سواد ولأن معه خيطين أسودين لا واحد ، وليس في الآية تأخير البيان عن وقت الحاجة ، لأن الآية موكولة إلى الفهم ، فيفهم من الفجر قبل نزوله ولو لم يفهمه بعض ، وقيل نزل ذلك قبل رمضان ، ففيه تأخير البيان عن وقت الخطاب ، لا عن وقت الحاجة ، وهو جائز ، ولكن نزولهما قبل رمضان لم يصح ، ولا يقال الآية خطاب بظاهرها من نحو العقالين ، ثم نسخ ذلك الحكم بقوله من الفجر ، لأن قوله من الفجر نزل مع ما قبله بمرة ، ولأن الخطاب على لمجاز ، وهو واجب ولو لم يتفطن له نحو عدى { وَلاَ تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ } أى مقيمون فيما إذا اعتكفتم فيها ، فلا جماع ليلا أيضا ، كما لا جماع نهارًا ، لا في بيوتكم ولا في المساجد ، سواء اعتكفتم بالصوم ، وهو واجب في الاعتكاف ولو في غير رمضان ، وهو مذهبنا ، أم بغير صوم في غير رمضان ، ويجوز الاعتكاف في كل مسجد لهذه الآية ، أفضلها ما فيه الجماعة والجمعة والأذان ، وخصه بعض ما فيه ذلك ، وبعض بالمسجد الحرام ومسجد المدينة وبعض بالمسجد الحرام ، ولا يصح اعتكاف دون ثلاثة أيام ، ولا اعتكاف بلا صوم وأجيز يوم ولو صوم ، لما روى عنه A ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه ، ويفسد بالجماع { تِلْكَ } الأحكام من المباشرة في الاعتكاف والوطء بلا ابتغاء ، بل لقصد اللذة أو الأكل وللشرب بعد الفجر { حُدُودَ اللهِ } حدها لعباده ليقفوا عندها .