« إن روح القدس نفث في روعى أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاقتوا الله وأجملوا في الطلب » والإلهام من هذا ، وملك الإلهام للأنبياء وغيرهم ، أو بتعليم الله بلا واسطة ، بل يلقى في قلبه .
وعلم الخضر بإيحاء الله على لسان الملَك ، أو بإشارة الملَك من الله دون نطق ، والأول هو الوحى الظاهر ، و الثانى يسمى فثا أو بالإلهام ، وقيل: الإلهام من الثانى ، وله ملك يسمى ملك الإلهام ، ولا يختص بالأنبياء ، وكل ذلك غير علم الحروف .
ويجوز تعاطى غير الوحى مما لا يخالف الشرع . وقد ندم ابن عباس عن تركه علم التنجيم الذى لا يخالف الشرع ، وقال: إن الناس عطلونى بالمنع عنه ، وكأنه قيل: ما جرى بينهما؟ فقال الله D:
{ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ } إلخ استفهم مع أن الله D أرسله إليه للتعلم ، بل طلب التعلم منه ، فأجابه ولم يقل له اجبره ، فجرى على سنن مريد التعلم من الطلب والخضوع ، أى هل تبيح لى أن أتبعك .
{ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْت رُشْدًا } قال الأصوليون: تأتى على للشرط كما هنا ، قيل: وفى قوله تعالى: { يبايعنك على أن لا يشركن } وفى قوله: { على أن تأجرنى } وهو حقيقة عند الفقهاء ، وتردد السبكى في وقوعه في كلام العرب . والصحيح وقوعه .
قيل: ولم يذكره النحاة ، وهو في آية السورة قلت: هو داخل في الاستعلاء المجازى ، وليس معنى حقيقيا لها ، وزعم السرخسى أنه حقيقة ، وليس كذلك ، كأنه قيل: هل أتبعك بانيًا على أن تعلمنى مما علمت رشدًا ، أى علمًا ذا رشد . وهو إصابة الخير ، وهو مفعول ثان ، وثانى علمت محذوف أى علمته .
ويجوز أن يكون الثانى محذوفًا منعوتًا بقوله مما علمت ، أى بعضًا مما علمت فرشدًا بدل من البعض أو مفعول مطلق لمحذوف مستأنف أى أرشد رشدًا أو مفعول لأجله لأتبعك أى لأكون رشيدًا أو التعلم بمعنى الإرشاد ، ولا إشكال في تعلم موسى مع كثرة علمه بالتوراة وغيرها من الخضر الذى هو دونه ، لأن أعلم الناس مَن يجمع علم غيره إليه ، ولاختلاف العِلْمين .
روى البخارى ومسلم والترمذى والنسائى ، عن ابن عباس عن رسول الله A ، « أن الخضر قال: يا موسى إنى على علم من الله تعالى علَّمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علم من الله تعالى علَّمكه الله سبحانه لا أعلمه » ومعنى قوله تعالى: لى عبد أعلم منك ، أن الخضر أعلم من موسى بعلم الحقيقة ، ولموسى علم بعض الحقيقة ، كما أن للخضر ما يكتفى به من علم المشريعة .
قال السيوطى: ما جمعت الشريعة والحقيقة إلا لنبينا صلى الله عليه السلام ، ولم يكن للأنبياء إلا أحدهما على معنى ما جمعت على الوجه الأكمل إلا له A ، ولا يخفى تبليغه الشريعة ، وأما تبليغه الحقيقة فقد يكون منه لبعض المستعدين ، تأمل .
ويظهر لى وجه آخر وهو أن المراد يكون الخضر أعلم ، أن علم الحقيقة أدخل في حقيقة العلم من غيره ، فيتم الكلام ، ولو لم يكن لموسى شئ من علم الحقيقة ألبتة .