{ وسَار } نحو مصر لزيارة أمه وأخيه وأخته وقرابته ، ظانًا يخفى أمره لطول مدة الجناية ، كما دخلها حين قتل القبطى ، والأولى أنه سار نحو بيت المقدس { بأهْلِه } زوجه ، وسائر من تحت يده ، فان لم يخرج غنمه من ملكه فقد سار بها ، فان شعيبا وهب له حين رجعت اليه الغنم ملأى من الجهة اليمنى كل ما تلده من أدرع أو درعاء وروى أبلق أو بلقاء ، فأوحى الله إليه في النوم: أن اضرب بعصاك مستقى الغنم ، أو ألقها فيه ، فكل واحدة وضعت أدرع أو درعاء ، وقيل كل ما خالف شية أمه .
وعنه A: « أنه لما أراد موسى فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها من غنمه ما يعيشون به ، فوهب لها كل ما ولدت على قالب واحد ، وكانت غنمه سوداء حسناء ، فوضع عصاه في الحوض ، فكان النتاج على قالب واحد ، إلا شاة أو شاتين ، فلعله أقام مقدار ما تستغنى عن أمهاتها » أو كان السؤال عند قرب تمام الأجل ، وقد قيل: خرج وله ولدان: الأكبر جيرشوم ، والأصغر العيازر ولدهما عند إقامته عند شعيب ، وعن مجاهد ، أقام عنده عشر سنين أخرى ، فاحتمل انه ولد فيها ، ولو على القول بأنه لم يدخل حتى أتم الأجل ، واحتمل أنه ولدهما في العشر الأولى .
{ آنَسَ } أبْصَر بعينه ، وأصله الاحساس بعين أو أذن أو غيرهما ، وقيل: الايناس الابصار البين ، وقيل إبصار ما يسكن إليه ، ويناسب الثانى تسمية موضع النظر من العين إنسان العين ، لأنه يبين المنظرو ، والانسان إنسانا لظهوره { منْ جانِبِ الطُّور } فى جهة الطور حال من قوله: { نارًا } أى ثابتة في جانب ، أو متعلق بحال خاصة ، أى لامعة من جانب الطور ، وعليه فمن للابتداء ، أو بمعنى في وهى نور في صورة النار ، عبر باسمها ، لأن موسى يطله نار ، أو لأن مراده النار ليستدفئ بما يقبس منها ، وليدله صاحبها على الطريق ، وهو في ليلة مثلحة شديد البرد كما قال: { لعلكم تصطلون } وزوجه حامل قريبة الوضع ، لا يدرى أتلد ليلا ام نهارا ، بل قيل: أخذها الطلق فقدح زناده فأصلد فنظر تلك النار ، وكان يأخذ على غير الطريق خوفا من ملك الشام فيما قيل: ويقال: لأنه شديد الغيرة ، يفارق الرفقة نهارا فضل علنها الى الليل .
{ قال لأهله } لم يقل: قال لهم ليذكرهم باسم ما يوجب النفع لهم ، وهو كونهم أهلا له يسعى فيما ينفعهم من نار ودلالة على طريق ، ولأنه في جواب سؤال كأنه قيل: فماذا فعل؟ أو قال: فقيل قال لأهله ، أو لأن أهله الأولى بمعنى زوجة ، أى سار بزوجة لتمام الشرط ، والثانى بمعنى ما يعمها ، وما تحت يده والله أعلم { امْكثُوا } أقيمُوا { إنِّى } المعنى لأنى { آنستُ نارًا لعَلى آتيكُم مِنْها } من أهلها على حذف مضاف ، أو من النار إذ هى جهة يؤتى منها وإليها { بخَبَر } على الطريق ، كما قيل: إنه ضل عن الطريق ، فإن وجد من يد له عليها ، مع ان الذهاب إليها ليتصل بالرفقة أليق لهم ، ذهب واستغنى عن الجذوة { أوْ جَذْوة } عود غليظ فيه نار كما قال { من النَّار } نستغنى بها إذ لم نجد دالًا على الطريق أو وجدناه ، وكان الأليق عدم الذهاب ، ومن للبيان لأن الجذوة العود الغليظ ولو بلا نار ، ولكن تسميته نارا مبالغة ، لأن حقيقتها ذلك الجسم الملتهب ، وأل للجنس ، وقيل نفس تلك الجمرة الغليظة في طرف عود حقيقة بلا لهب ، كما يستعمل بلا نار ، وعليه فمن للابتداء وأل للعهد { لعلَّكم تصْطَلُون } تستدفئون .