فذلك مجاز عقلى للدالية والمدلولية { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ } ما تداينتم به { كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ } معروف مقدم لذلك بعينه ، أو يوصف معروف الخط فكتابة الواحد تجزى بلا شرط أن يكتب ثان أسفل كتابته ، ومعنى العدل السوية ، لا بالنقص ولا بالزيادة في الدين ، ولا في الأجل ، فهو كاتب فقيه دين يكون بينهما ، مقبلا لشأنهما معا ، لا مائلا لأحدهما ، ولا يكتفى بأحدهما ، والباء متعلق بيكتب أو بكاتب ، أو بمحذوف نعت لكاتب { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ } فى الجملة أو بالصلوح لأن يكتب ، أو من جعل لذلك ، وهو تقى ، يعرف كيف يكتب وما يحل كتبه وما يحرم كتبه ، أما كاتب غير تقى يكتب لئلا تبطل كتابته لفسقه ، فيضيع مال الناس ، وإن كتب ورضيا به ولم يكتب ما يحل ، وعدل في كتبه وقد عرفا حاله فلا ضمان عليه ، وكذا من لا يعرف ما يحرم كتبه ، أو كيف يكتب فلا يكتب { أَنْ يَكْتُبَ } بالفعل ، وقوله ، كاتب هو بالقوة فلا تحصيل حاصل ، والمراد أن يكتب ما أملى عليه مما ليس حراما { كمَا عَلَّمَهُ اللهُ } الكتابة . أى لا يأب لتعليم الله إياه ، فهو يكتب شكرًا لتعليم الله الكتابة له ، وأحسن كما أحسن الله إليك ، وبهذا القصد يكون شاكرا ، ولو أخذ الأجرة ، أو أن يكتب كتبا مثل الكَتْب الذى علمه الله ، أى طبقا للقاعدة التى علمه الله في الكتابة ، والكتابة فرض كفاية ، للأم الأمر في الموضعين ، ولا الناهية ، وقيل ، ذلك ندب: وقيل ، وجب ثم نسخ الوجوب ، ويجوز ، قيل عود قوله كما علمه الله إلى قوله ليكتب وإلى { فَلْيَكْتُبْ } على أن الفاصلة للتأكيد ولو كانت شبيهة بفاء الجزاء ، والأصل خلاف هذا ، وكيف يصح تقديم معمول ما بعد العاطف وهو الفاء على العاطف ، قيل ، والأولى ألا يعود إليه أمر الله بالكتب بعد النهى عن الإباء تأكيدا ، وإذا عاد إلى فليكتب كان النهى عن الإباء مطلقا والأثر مقيدا بأن يكون الكتب كما علمه الله ، قلت ، لا إشكال ، لأن المراد فليكتب بالعدل ، لأن الكلام مبنى عليه ، كما أن المراد ، ولا يأب كاتب أن يكتب إذا كان بالعدل { وَلْيُمْلِلِ } يلق على الكاتب { الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ } الدين ، لأنه المشهود عليه ، فيقر للكاتب والشهود { وَلْيَتَّقِ } الذى عليه الحق ، أو الكاتب ، والأول أولى ، كقوله تعالى: ولا يبخس منه شيئا ، لأن المتبادر أن البخس ممن عليه الحق ، وأما الكاتب فالبخس والزيادة ممكنان منه على حد سواء ، ولأن قوله بالعدل كاف في حق الكاتب { اللهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ } لا ينقص { مِنْهُ } أى من الحق الذى عليه ، متعلق بيبخس ، أو بمحذوف حال ، هى قوله { شَيْئًا فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا } مبذرا لنقص عقله بكبر أو قلة عقل ، أو لجنون ، أو صبيا { أَوْ ضَعِيفًا } لأنه صبى أو شيخ كبير السن ، أو لمرض أو علة { أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ } لخرس أو عدم إفصاح أو لجهل باللغة أو غير ذلك ، وذكر هو ليكون أشد مناسبة لقوله { فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ } ولى أمر ، من أب أو صبى ، أو خليفة ، أو بوكالة أو ترجمة ، ووجه الوكالة أن يكون هو فاعلا ، لأن هذا ليس من المواضع التى يبرز فيها الضمير بل تأكيد المستتر { بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ } بالعدل متعلق بيملل ، اطلبوا تحمل الشهادة واشهدوا ، بمبالغة على الحق الذى هو الدين { شَهِيدَيْنِ } من يصلحان للشهادة ممن ترضون من الشهداء ، بدليل ذكره ، وقوله ، وأشهدوا ذوى عدل ، والأحاديث { مِن رِّجَالِكُمْ } أى من المسلمين البلغ الأحرار العقلاء ، لا من غير رجالكم ، وهو المشركون والعبيد والأطفال والمجانين؛ ومذهبنا مذهب الحنفية جواز شهادة المشرك على المشرك ، لمسلم أو لمشرك ، لا على المسلم ، خلافا للشافعية ، وأجاز أبو حنيفة شهادة المشرك على المشرك في الطلاق والبيع ونحوهما لا الحدود والقصاص ، وهو مذهبنا ، وذلك أن الخطاب للبلغ الأحرار الموحدين ، ومعنى رجالكم من جنسكم ، إذ لا يخاطب الطفل ، مع أن إطلاق الرجل عليه مجاز وتغليب إذا أطلق ، والعبد كالبهيمة ولا عقد له ولا ولاية بإذن سيده ، والمشرك أبعد من أن يكون منا ، فإنه A يقول ، الفاسق والمشرك ليسا منا ، والمسلمون البلغ العقلاء هم الرجال الأكملون ، والمجنون كالطفل أو دونه ، وأجازت الإمامية من الشيعة شهادة العبد المسلم البالغ العدل ، وهو قول شريح وابن سيرين وأبى ثور وعثمان البتى ، وهو مردود { فَإِن لَّمْ يَكُونَا } الألف لمن يشهدان ، أى ، فإن لم يكن من يشهد ، وأنى بألف الاثنين لتتنية الخبر وهو قوله { رَجُلَيْنِ } والمراد لم يقصد إشهادهما ولو كانا موجودين متيسرين ، إذ لا يشترط لشهادة الرجل والمرأتين فقد الرجلين أو تعسرهما ، أو فإن لم يكن الشاهدان رجلين بطريق رفع الإيجاب الكلى ، لا السلب الكلى { فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ } أى يكفون ، أو فالشاهد رجل وامرأتان ، أو ، فليكن رجل وامرأتان شهودان ويكن له خبر ، أو فليكن رجل وامرأتان ويكن لا خبر له ، أو فليشهد رجل وامرأتان بالبناء للفاعل من الثلاثى ، أو فليشهد رجل وامرأتان بالبناء للمفعول من الرباعى ، أو فليستشهد رجل وامرأتان بالبناء له ، واللام للأمر في ذلك كله ، أو فرجل وامرأتان يشهدون كذلك ، أو يستشهدون { مِمَّن تَرْضُونَ } أيها المؤمنون ، أو أيها الحكام { مِنَ الشُّهَدَآءِ } دينا وعدالة ، ولو كانوا مخالفين فيما يقطع فيه العذر ، مما لا يجوز الاختلاف فيه ، إذا كانوا ورعين وليس خلافهم يتضمن شركا ، كالمجسمة والرافضة القائلين بأن عليا نبى ، ولا يجوز شهادة النساء في الحدود والقصاص عندنا وعند الحنفية ، وأجاز الشافعى في الأموال مع الرجال ، لا في غيرها كعقد النكاح ، وقال مالك ، لا تجوز في الحدود والقصاص والولاء والإحصان ، وجازت الواحدة العدلة فيما لا يباشر الرجل ، وقيل ، عدلتان ، وقيل ثلاث ، كالولادة والبكارة والاستهلال ، واقتصر على ذكر الرضى هنا مع أنه في الرجلين أيضا لقلقة اتصاف النساء به غالبا ، إذ الغالب عليهن عدم العدالة وقلة الديانة والجهل ، وممن ترضون نعت لرجل وامرأتان ، ويجوز أن يقدر ، وهؤلاء الشهود ممن ترضون ، الرجلان والرجل والمرأتان ، وهو حسن ، لأنه عم الشرط في الكل ، ولك أن تقدر لقوله ، فاستشهدوا مثل هذا ، أى فاستشهدوا شهيدين من رجالكم ممن ترضون ، وليس تعليقه باستشهدوا مغنيا عن مراعاته في قوله ، فرجل وامرأتان ، وكذا جعله نعتا لشهيدين ، ولكن فيه الفضل ، ولكن إذا جعل نعتا لهن أو علق باستشهدوا عُلم اشتراط الرضى للرجل والمرأتين من باب أولى { أَن تَضِلَّ } أى تعددت المرأة لاحتمال أن تضل ، أو حكمنا بذلك إرادة أن تضل { إِحْدَهُمَا } الشهادة أَو ما زاغت عنه منها ، أَو إحداهما هى الذاكرة { الأُخْرَى } أَى الضالة عنها ، ودخلت لام التعليل على تضل ، لأن الضلال سبب التذكير وملزومه ، ومن شأن العرب إذا كان للعلة علة أَن يقدموا علة العلة ويعطفوا العلة عليها ، فتحصل العلتان بعبارة واحدة ، فإن النسيان لا يكون سببا لاعتبار العدد في شهادة امرأَتين لكنه سبب للسبب فنزل منزلته ، وجعل ذلك الضلال سببا له مجازًا ، فإن التذكير إنما يكون بسبب الضلال ، وهو النسيان ، وكأنه قيل: أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت ، وذلك بناء على أن سبب السبب ليس سببًا حقيقيا ، ومن ذلك أعددت السلام أن يجىء عدو فأدفعه ، فإن مجىء العدو ليس سببًا لإعداد السلاح ، بل لدفع الأعداء المسبب عن مجيئهم ، وأعددت الخشبة أن يميل الجدار فأدعمه بها ، فالأدعام علة في إعداد بها إذا مال ، والميل علة الإدعام ، ولم تقصد بإعداد الخشبة ميل الحائط ، بل المعنى لأدعم بها إذا مال ، والمعول على المعنى دون اللفظ ، وذكر ذلك فىلنساء لسرعة النسيان إليهن ، لكثرة الرطوبة في أمزجتهن ، ويجوز أن تقدر اللام قبل أن تضل ، للاستحقاق لا للتعليل { وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَآءُ } عن الإجابة { إِذَا مَا دُعُواْ } لتحمل الشهادة ، أو لأدائها ، وهو أولى ، لأن تسميتهم شهداء حقيقة حينئذ بخلاف الأول ، فإن تسميتهم شهدا مجاز لعلاقة المشارفة والسببية ، لأن دعاءهم لتحملها سبب لكونهم شهداء بها .