قال ابن سيرين ، عن عبيدة السلمانى في هذه الآية: تستر رأسها ووجهها كله إلا عينها اليسرى ، قال السدى: أو عينها اليمنى ، وهو رواية عن ابن عباس ، وفى أخرى عنه أو عينيها ، وذلك رد على ما في بعض الكتب ، من أن ذلك فعل الفاسقات ، وأن غيرهن تستر الوجه كله ، ولعله أريد أن الفاسقات في بلدة من البلدان ، ويفعلن ذلك ، ولم يرد التحريم .
وعن سعيد بن جبير: يرخين الثوب على الوجه كله ، وينظرون أسفل ، وما يبدوا من نساء الجاهلية إلا الوجه ، فأمر الله بستره أيضا ، وأنت خبير بأن الوجه ليس عورة ، قيل: مطلقا ، وقيل: إن لم تكن فيه زينة فليس مرادا بالآية ، إلا أن السنة ستره ، ويجوز النظر إليه بلا شهوة ، الفعل في يدنين مجزوم المحل في جواب الأمر ، ومفعول قل محذوف ، ومعناه اذكر أى لهن وجوب الستر يدنين ، أو يدنين اخبار ومعناه الأمر أى أدنين ، وجلابيب مفعول به ليدنى ، ومن صلة في الإيجاب والمعرفة عند مجيز ذلك ، أو المفعول محذوف منعوت بمن جلابيهن ، أى شيئا من جلابيبهن وهو بعض من كل جلباب .
{ ذلك } الإدناء { أدنى } أقرب { أن يعرفن } ألى أن يعرفن فلا يقربهن أحد ، كما يقرب أجل الربية الإماء كما قال: { فَلا يُؤذَيْن } وذلك إزالة لبعض الشر ، وبعض الشر أهون من بعض ، ولا عذر لهم في الإماء ، ونهوا عن الزنى ومقدماته مطلقا بالحرائر والإماء ، ويجوز بلا ترفع ولا رئاء أن يلبس العالم ما يميزه بدرّته إذا تشبهت بالحرة ، ورأى أمة مقنعة فضربها فقال: ألقى القناع لا تشبهى بالحرائر .
{ وكانَ غُفُورًا } لمن عصى وتاب ، أو عصى ولم يعتقد الإصرار ، وقد دان بالتوبة ، وذلك في النظر ، وعدم التستر بعد نزول الآية { رَحيمًا } للتائب والتائبة ، أو غفورًا رحيمًا مطلقًا لمن تاب ، ودخل هؤلاء وغيرهم أو رحيما بعباده إذ رأى في مصالحهم أمثال هذه الجزئيات والتوبة أربعة أقسام:
الأول: التوبة أن يتوب ويستقيم على العبادة ، ولا يحدث نفسه بالعود إلا ما لا ينفك عنه البشر الى أن مات ، ولو كان ذلك في آخر عمره ، وصاحبها ذو النفس المطمئنة تبدل سيئته حسنات .
الثانى: أن يتوب ويستقيم على الطاعات ، وكلما فعل ذنبا تاب وتأسف ، ولام نفسه ، وعزم أن لا يعود ، وصاحبها ذو النفس اللوامة ، وفى الحديث: « المؤمن واه - أى ضعيف - بالذنوب رافع - أى بالتوبة » .
الثالث: أن يتوب ويستقيم على الطاعة ، إلا أن نفسه تغلبه في بعض الذنوب ، يستمر عليه ويندم إذا فعله ، ولا يقهر نفسه بالعزم على عدم العود ، وهو يطمع في التوبة .
الرابع: أن يتوب ويستقيم ثم يذنب ، ولا يحدث نفسه بالتوبة الى الموت .