وعن مجاهد: اقتصد في النقة إن قل مالك ، ولا تأول هذه الآية فإن الرزق مقسوم ، ولعل ما قسم لك قليل وأنت تنفق نفقة الموسع عليه ، وربما أنفق الإنسان ماله كله ولم يخلف في الدنيا حتى يموت ، فكأنه أراد قوله تعالى: { ولا تجعل يدك } الخ ، وقد اختار بعض الفقير الصالح على الغنى الصالح لقوله تعالى: { إن الإنسان ليطغى * أن رآه اسْتَغنى } أخبر أن الغنى يحمله على الطغيان ، وقوله تعالى: { وما نراك اتَّبعك إلا الذين هم أراذلنا } فأخبره الله تعالى أن الفقراء هم الذين يتبعون الأنبياء .
وعن أبان ، عن أنس بن مالك ، عنه A: « لكل أحد حرفة وحرفتى اثنتان الفقر والجهاد ، فمن أحبهما فقد أحبنى ، ومن أبغضهما فقد أبغضنى » عن أبى هريرة ، عنه A: « اللهم من أحبنى فارزقه العقاف والكفاف ، ومن أبغضنى فأكثر ماله وولده » وعن مجاهد عن ابن عمر: ما اصاب عبد من الدنيا إلا نقص من درجته عند الله تعالى ، ولو كان كريما عند الله ، وعن عيسى بن مريم عليه السلام ، « الفقر مشقة في الدنيا ، مسرة في الآخرة ، والغنى مسرة في الدنيا ، مشقة في الآخرة » وعن أنس أنه A قال: « اللهم أحيينى مسكينا وأمتنى مسكينًا واحشرنى في زمرة المساكين » قيل: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: « لأنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين عامًا » ويناسب ذلك أن الغنى يتمنى عند موته أنه فقير ، ولا يتمنى الفقير أنه غنى ، ولو لم يكن للفقير فضيلة سوى أن حسابه في الآخرة أخف لكانت حجة قيل:
دليلك أن الفقر خير من الغنى ... وأن قليل المال خير من المُثْرى
لقاءك مخلقًا عصى الله بالغنى ... ولم تر مخلوقًا عصى الله بالفقر
أى عصاه لأنه أحب الفقر ولم يجده كما قيل:
يا عائب الفقر الأ تنزجر ... عيب الغنى أكبر لو تعتبر
إنك تعصى لتنال الغنى ... ولست تعصى الله كى تفتقر
ووجه تفضيل الفقر مشقة صاحبه ، مشقة ليست في إعطاء الغنى حق المال وزيادة ، ولا شك أن الحرام كثر الآن والشبه ، فالفقر أفضلُ وقد يكون الخلاف لفظيا { وهُو خَيْر الرَّازقين } يكثره ويجعله بغير حساب ، ويطلق لفظ الرازق على غير الله حقيقة ، وقيل مجازا .