{ واسْتَمتعْتُم بها } فلم يبق لكم بعدها شىء ، وانما أذهبوها بالاستماع فالعطف للتفسير { فاليَوم تُجزون } على أعمالكم وأقوالكم واعتقادكم السيئات { عذاب الهُون } عذا بالهوان ، كما قرأ به بعض { بما كُنْتم } بكونكم في الدنيا { تَسْتَكبِرون في الأرض } الخلوقة للعبادة والتواضع { بغَيْر الحق } من الله تعالى بمعنى أن الحق في دين الله أن لا تستكبروا عن الخلق بالترفع عنهم ، وأن لا تستكبروا عن الدين بانكاره ، وبغير استحقاق ، فقد يكون باستحقاق كالترفع عن الكافر لكفره ، والترفع عن الظالم { وبما كنْتُم تفسقُون } تخرجون عن الطاعة بالزنى ، وأكل أموال الناس وظلمهم ، وغير ذلك من الذنوب ، وهذا وأمثاله دليل على خطاب المشركين بالفروع كالأصول ، وقدم التكبر لأنه من فعل القلب والفسق من أفعال الجوارح ، وهى تابعة للقلب .
روى سعيد بن منصور ، والبيهقى وغيرهما ، عن عبد الله بن عمر: أن عمر رضى الله عنه رأى في يد جابر بن عبد الله درهما فقال: ما هذا الدرهم؟ فقال: أريد أن أشترى به لأهلى لحما ، قرموا اليه ، فقال: أكلما اشتهيتم شيئا اشتريتموه ، أين تذهب عنكم هذه الآية: « أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعم بها » وفى رواية رأى في يده لحما قال: ما هذا؟ فقال: لحم اشتريته لأهلى قرموا الى اللحم ، فقال: أكلما الخ ، ويروى اشتهيت لحما فاشتريته فقال عمر: أفكلما اشتهيت أجابر اشتريت ، أما تخاف هذه الآية { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا } ومراده التزهيد والتحذير من اكثار اللذات ، كما هو شأن المشركين ، وعن قسوة القلب لا التحريم .
والآية انما هى في المشركين اذا أقبلوا على اللذات وأعرضوا عن الآخرة ، وقدم وقد أهل البصرة على عمر رضى الله عنه ، مع أبى موسى الأشعرى ، فكان له كل يوم خبز مأدوم بزيت ، وتارة بسمن ، وتارة بلبن ، وتارة بقدائد دقت وأغلى عليها ، وتارة بلحم طرى وهو قليل ، وقال: والله ما أجله كراكر وأسمنة على صلاء وكناب وسلائف ، ولكن الله تعالى غير قوما بقوله: { أذهبتم طيباتكم } الآية ، رواه عبد الله بن المبارك ، وابن سعد ، وأبو نعيم وغيرهم ، عن الحسن ، والكركرة ما يصيب الأرض من البعير اذا برك ، وهى أطيب لحمه ، والصلائ الشواء والطناب أدام يتخذ من الخردل والزبيب ، والسليقة ما سلق من البقول وغيرها وبالصاد اللحم المشوى .
وفى البخارى ومسلم ، عن عائشة: يأتى علينا الشهر ما نوقد فيه نارا انما هو الأسودان الماء والتمر ، الا أن نؤتى بلحيم ، وفى رواية: إنا كنا للنظر الى الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة أو شهرين ، وما أوقد في أبيات رسول الله A نار ، قال عروة: يا خالة ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء ، إلا أنه قد كان لرسول الله A جيران من الأنصار ، وكانت لهم منائح فكانوا يرسلون الى رسول الله A من ألبانها فيسقينا .