ويجوز على ضعف أن يكون الرجع بمعنى رد المشركين لمخبرهم بالبعث ، فتكون الاشارة الى انكارهم البعث في قولهم: « أئذا متنا » الخ أو الى قولهم هذا أو الى جوابهم النبى A بالانكار ، فيكون قوله تعالى: « رجع بعيد » من كلام الله تعالى ، أى بيعد عن الحق ، أجابوا به منذرهم A ، ولا يلزم في هذا الوجه أن يكون رجع بمعى مرجوع كما قيل ، أى جواب مرجوع ، ووجه انكارهم البعث تفتت الجسم وفناؤه ، فرد الله تعالى عليهم بأنه بما تفتت وما فنى منهم في الأرض فقال:
{ قَد علمنَا ما تنقص الأرضُ } وغيرها اقتصر عليها لأنها أكثر في ذلك ومعناه تفنى وتأكل ، وهو أولى من تفسره بتغييب الميت فيها ، فينقص من عدد الأحياء { مِنْهم } من شعورهم وجلودهم ولحومهم وعظامهم وأظفارهم { وعِنْدنا } وحدنا { كتابٌ حَفيظٌ } زيادة تعميم في عمله بكل شىء ، وانتفاء عجزه ، وذلك كناية عن الضبط والاحاطة بكل شىء علما بأعمالهم ، واجزاء الموتى ، وان قلنا اللوح يحتاج الى اللوح المحفوظ ، ولا بخفى أن القادر على خلق شىء من غير شىء ، قادر على اعادة ما فنى ولم يبق منه بعض ولا أثر ، نقول: هذا تقليدا لكمال قدرته ، والا فلمعدوم كيف يرجع بنفسه ، فأنه اذا تصورت وجوده فامَّا أن الموجود شىء آخر مثله كما قال به بعض ، وهو مخالف للصواب ، لأن الله D يقول: أبعثكم ولم يقل أبعث أمثالكم ، اما أن يكون هو الأول فأين كان حتى رجع والغرض أنه عدم ، وأما صفته أشكاله فلا اشكال كما يبقى عندك الشىء وشكله ، ووصف الفعل بعد العدم .
وانما قلت ذلك خلاف الصواب ، لأن فيه نسبة العجز الى الله ، وتعريض أجسام لم تعص على صورة العذاب ، الخصم يقول: لا بأس في ذلك ، وله أن يفعل ما يشاء ، مع أن العذاب مطلقا ليس للجسم ، وانما هو للروح ، والروح باق ، وقد أذعنت قلوبنا الى أنه قادر على ايجاد ما فنى ، كما قدر على خلق شىء من غير شىء ، بل نقول: ولا بأس تغنى الأرواح التى في صور اسرافيل ، ويخلقها الله ، أو تبقى وهى كالجماد ولا بأس ، ويحيى الله تعالى بها الموتى ، وان قلنا: هى احياء في الصور فلا بد من موتها ، ثم احيائها ، قال أبو هريرة عنه A: « ليس من الانسان شىء لا يبلى الا عظم واحد وهو عجب الذنب ، منه يركب الخلق يوم القيامة » رواه البخارى وغيره ، ولا بأس فان المعنى أن حكمة الله ابقاءه لا أن الله يعجز عن البعث بدونه وهو أول ما يخلق ، وآخر ما يخلق ، فالله سبحانه وتعالى يحيى من الميت ما بقى ، ويرد ما فنى ويحيه .