« من كتم علمًا آتاه الله إياه ألجمه بلجام من نار » ، ويروى ، « إلا مثلِّ له يوم القيامة شجاعًا أقرع يفر عنه وهو يتبعه حتى يطوقه في عنقه » ، وفى رواية « يجعل ما بخل به من الزكاة حية يطوقها يوم القيامة ، تنهشه من قرنه إلى قدميه وتنقر رأسه ، وتقول: أنا مالك ، والزبيبة نكتة فوق عينيه أو جانب فيه أو وبد شدة وغضب في جانب شفتيه » ، والأقرع زائل الشعر ، وهو هنا من شدة السم وبسط ذلك في تفسير الحديث والفروع ، وليس في ذكر ذلك في الحديث ما يحصر الطوق في ذلك بل الحديث ذكر لبعض ما تضمنته الآية ، من لزوم الوبال على العموم ، بحيث يعم التطويق المذكور في الحديث ، والتطويق بالنار وغير ذلك وغير الزكاة أيضًا { وَلِلهِ مِيراثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } ذواتهما مع ما فيهما ، ويفنى الملاك ، ولا يبقى مالك إلا الله ، والميراث الإرث ، أو المراد ما يتوارث أهلها من امال وعز ، وإمارة وصحة ، وسائر ما ينتقل كالأحوال قى مراتب الملائكة والإرسالات ، ولا مانع من أن يكون لأهل المسوات أحوال كما سقطت منزلة هاروت وماروت فيما قيل ، وملك سقط ريشه لعقاب فشفع فيه نبى ، شبه بقاء السموات والأرض وما فيهما لله بعد فناء أهلهما بالإرث ، إلا أن الله جل وعلا ملكهما قبل فناء أهلهما وبعده ، وإذا كان ذلك فكيف تبخلون بما ينزع عنكم بموت كل واحد لأجله ، وبموت الخلق كلهم وتبقى عليكم حسرته والعقاب عليه { واللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ } من منع مطلقًا ، أو عن أهله ، وإعطاء لغير أهله أو بلا قصد تقرب إلى الله { خَيرٌ } فيجازيكم ، ولما نزل قوله تعالى: { من ذا الذى يقرض الله قرضًا حسنًا } وكتب A مع أبى بكر الصديق رضى الله عنه إلى يهود بنى قينقاع ، يدعوهم إلى الإسلام ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وأن يقرضوا الله قرضًا حسنًا ، وقال فنحاص بن عازوراء من علماء اليهود ، لذلك إن الله فقير حتى استقرض ، ولطمه أبو بكر بقوله وقال: لولا العهد بيننا وبينكم لضربت عنقط ، وشكاه إلى رسول الله A وجحد فنزل قوله تعالى: { لَقَدْ سَمِعَ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ } تصديقًا للصديق ، إنشاء اليمين بحسب قصد المتكلم ، وإما الإخبار بواقعة ، فأما باللفظ الذى لفظ به ، ومنه ليبينه للناس ، وإما بالغيبة تخبر عن شىء كان ، نحو استحلفته ليقومن ، وإما بلفظ التكلم نحو استحلفته لأقومن ، وروى أن أبا بكر رضى الله عنه ، دخل مدارس اليهود ، فوجد ناسًا كثيرًا من اليهود ، فقال: يا فنحاص ، اتق الله وأسلم ، فو الله لتعلم أن محمدًا رسول الله A ، قد جاءكم بالحق من الله ، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة ، فآمن ، وصدق ، وأقرض الله قرضًا حسنًا يدخلك الجنة ويضاعف لك الثواب ، فقال يا أبا بكر: تزعم أن ربنا يستقرض من أموالنا على أن يعطى قرضه إيانا مع الفضل والربا ، فغضب أبو بكر رضى الله عنه ، وضرب وجهه ضربة شديدة فشكا إليه A ، فقال: ما حملك يا أبا بكر على هذا قال إنه قال كذا وكذا ، وجحد فنحاص ، فنزل لقد سمع الله الخ ، ونزل في أبى بكر وضربه لفنحاص ، ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب الخ ، يعنى أن محمدًا غير صارق في ذلك ، فهو غير نبى ، لأن الله لا يفتقر ولا يحتاج ولا يفعل الربا وهو حرام ، وليس ذلك احتياجا من الله تعالى ، ولا ربا ، وبل جزاء من الجنة على العمل ، أو قال ذلك ، لعنه الله ، عبثا وعنادًا واستهزاء { سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا } نأمر الملائكة تكتبه في ديون الناس كلهم ، بعد ما كتبوه ، لكل قائل في ديوانه الخاص ، أو نأمرهم فينسخونه من اللوح المحفوظ على طبق ما كتبوه أولا ، أو تزيد له حفظا أو نجازيهم عليه ، فظهر الاستقبال { وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَآءِ بِغَيْرِ حَقٍّ } رضاهم بقتل آبائهم الأنبياء ، عارفين أنه غير حق ، وفجرهم بهم ، أنزل هذا مع قولهم وكتابته إشارة إلى أنه من عادتهم الفجور ، وأنه ليس قولهم بأول جرم ، وكيف لا يقوله من اجترأ على قتل الأنبياء ، وقد علم أنه غير حق { وَنَقُولُ } تهكما بهم وستهزاء وإهانة وتحقيرا ، تقول ملائكتنا يوم القيامة أو الإسناد مجاز عقلى لأن الله يأمر الملائكة بالقول { ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ } الذوق إدراك وصف الطعام أو الشراب ، وتوسع فيه باستعماله في إدراك الحال مطلقا ، وإشارة إلى أن ما يصيبهم من العذاب أولا كالذوق بالنسبة إلى ما يتجدد به منه ، والحريق الاحتراق أو الجسم المحرق ، وهو النار ، على أن الحريق بمعنى الإحراق أو متعمد أو هو ذو حريق أى يحصل به الاحتراق ويقال لهم بعد دخولها .