وما لم يقبل لم يرفع بل يبقى للطير والوحش { قَالَ } الآخر { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المتَّقِينَ } وأَنت لم تتق فلم يتقبل قربانك وإِنما أَتيت من جهة نفسك فلماذا تقتلنى ، ولِمَ لَمْ تفعل سبب القبول منك واللبيب يتعاطى أَسباب تحصيل مثل ما يحسد فيه غيره لا أَسباب إِزالته عن غيره ، فإِن ذلك لا ينفعه ولا يزيل حكم الله تعالى ولا أَختار عنها الحياة ، أَو الكناية عن أَنى لا أَدفعك بالقتل عن قتلى كما قال
{ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلىَّ يَدَكَ } لم يقل يديك لأَن القتل يتصور ولو بيد واحدة ، ولذلك لم تشدد الياء في يدى ولو شدد لكان مثنى { لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَا بِبَاسِطِ يَدىَ إِليْك لأَقْتُلَكَ } لست ممن يوصف ببسط اليد لقتلك { إِنِّى أَخَافُ الله رَبَّ الْعالَمِينَ } كان هابيل أَقوى من قابيل ولكن لم يبح الله لهم في ذلك الزمان وما بعده الدفع عن أَنفسهم إِلى أَن شاءَ الله ، فكان ترك الدفع واجبًا وخوفًا من عقاب الله على ترك الوجب وإِن كان تركه مستحبًا فخوفه من نقص الثواب ، وقيل قتله نائمًا وزعم الشافعى أَنه يجوز لنا هذا إِذا كان القاتل غير مشرك وغير مهدور الدم ، وزعموا عنه صلى الله عليه ويلم أَنه قال لمحمد بن مسلمة: أَلق كمك على وجهك وكن عبد الله المظلوم ولا تكن عبد الله الظالم ، ويروى وكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل ، وأَنه قال لخباب في الفتنة التى القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشى والماشى فيها خير من الساعى: إِن أَدركت ذلك فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل ، وقال إِذا الْتقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ، والصواب وهو مذهبنا وجوب الدفع علينا ولو كان يؤدى إِلى الموت ، ومعنى الأَحاديث لا تخرج عن دينك ولو كان عدم الخروج عنه يؤدى إِلى الموت وإِنما يكون القاتل والمقتول في النار إِذ كان كل منهما مبطلا ، وعن ابن عباس لا أَقتلك ظلمًا أَو لا أَبتدئك بالقتل ظلمًا لكن لم يرو أَنه قاتله ولا دفعه مع أَنه أَقوى ، وتحمل أَحاديث الباب على ما إِذا لم يبق في عقله أَو في يده ما يدفع به
{ إِنِّى أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ } تتهيأ أَو ترجع إِلى ربك أَو منزلك { بإِثْمِى } لو بسطت إِليك يدى { وإِثْمِكَ } بسخط أَمر الله ومخالفة أَبيك والحسد وإِضمار القتل وبسط يدك إِلىَّ إِن بسطتها إِلىَّ فالشخص يحمل إِثم المباشرة وإِثم كونه سببًا لإِثم شخص آخر فالبادئَ بالسب حامل لإِثم سبه وإِثم تسبيه لسب صاحبه له ، وكلا الإِثمين فعل له لقوله تعالى