{ قَالَ يَا وَيْلَتَى } ياهلكتى احضرى فهذا زمانك ، والمراد التحسر وقد حضرتنى إِذ حملته ولم أَدفنه وزعم بعض أَن المعنى اعتراف على نفسه باستحقاق العقاب ، ويروى أَنه لما هرب إِلى عدن أَتاه إِبليس فقال إِنما تقبل قربان أَخيك لأَنه يعبد النار فاعبدها أَنت وعقبك فعبدها وهو أَول من عبدها وكان لا يمر به أَحد إِلا رماه بحجارة لقتل هابيل فأَقبل ابن لقابيل أَعمى ومعه ابنه فقال ابن الأَعمى لأَبيه: هذا أَبوك قابيل ، فرماه بحجارة فقتله ، فقال الابن لأَبيه قتلت أَباك قابيل فلطم الأَعمى ابنه فقتله ، فقال ويلى قتلت أَبى بالرمى وابنى باللطم ، واتخذ أَولاد قابيل الطبول والزمور والعيدان والطنابير والخمور والفواحش وعبادة النار حتى أَغرقوا بالطوفان ، ولم تبق إلا ذرية شيت { أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ } عن أَن أَكون { مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ } تعجب من أَنه لم يهتد إِلى ما اهتدى إِليه الغراب { فَأُوَارِىَ } عطف على أَكون أَى أَعجزت عن كونى مثل هذا الغراب في الحفر والدفن وعن مواراة أَخى أَو منصوب في جواب الاستفهام أَى أَكان منى عجز عن كونى مثله ومواراتى عطف للمواراة على عجز في السبك { سَوْءَةَ أَخِى فَأَصْبَحَ } صار { مِنَ النَّادِمِينَ } فحفر له ودفنه ، وندمه على حمله وعلى عدم اهتدائه للدفن وعلى فقد أَخيه ولما أَصابه من العذاب والسوء وسواد بدنه كما مر ، وبراءَة أَبيه وأَمه منه ، ومطلق الندم لا يكون توبة بل يكون الندم توبة إِذا كان معه تضرع إِلى الله وعزم على عدم العود وتدارك ما فعل بما يجب كدية أَو قود أَو طلب عفو ، وكل ما وقع من المعاصى في الأُمم وقع مثله أَو ما يناسبه بعد فليحذر الحاذر . قال عمارة اليمنى:
لا تعجبن لقدار ناقة صالح ... فلكل عصر ناقة وقدار
{ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ } الذى فعل قابيل من قتل هابيل متعلق بالنادمين عند نافع ، وقال الجمهور بقوله تعالى { كَتَبْنَا } وعليه فالإِشارة ليست إِلى نفس ما فعل قابيل إِذ لا مناسبة بين ما فعل قابيل ووجوب القصاص على بنى إِسرائيل ، إِلى المفاسد التى لوح إِليها ذلك القتل وإِلى الخسارة في قوله من الخاسرين والندم أَيضًا والتحسر بلا توبة . وخص بنى إِسرائيل مع أَن الحكم عام لمن قبلهم ومن بعدهم لكثرة القتل فيهم حتى قتلوا الأَنبياءَ وعالجوا قتل سيدنا محمد A وسموه ومات بسمهم حين مات ، ولأَنهم أَول من نزل عليهم في الكتاب التغليظ في القتل وقبلهم التغليظ بقول لا بكتاب ، وأَصل الأَجل بإِسكان الجيم جناية الشر ثم استعمل في تعليل الجناية ثم في التعليل مطلقًا ، ومن للابتداء وذلك كقولهم من جراك فعلته بشد الراءِ بوزن دعوى أَى من أَن جررته أَى جنيته ، والمعنى من أَجل ذلك فرضنا { عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ } أَى بغير قتل نفس مكافئة توجب القصاص أَو لا توجبه كأَب قتل ولده وقتل عبد فإِن قتل ذلك حرام ولا قصاص فيه ومن اقتص هلك .