{ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأَرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء } وقوله { يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } فكأَنه قيل بل يداه مبسوطتان متى شاءَ ولمن شاءَ فهو مطلقًا جواد يبسط الخير الكثير مفرقًا بحسب مشيئته { وَلَيزِيدَنَّ } أَى والله ليزيدن { كثيرًا مِنْهُمْ } من اليهود { مَا أُنْزِلَ إِلْيَك } من القرآن وغيره { مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكَفْرًا } على طغيانهم وكفرهم السابقين كلما نزل من الله شئ كفروا به ، أَو سعوا في إطفائه بالتحريف للفظة ومعناه ما أَمكن ، كالمريض كلما أَكل غذاءً صالحًا للأَصحاء ازداد مرضًا { وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ والبَغْضَاءِ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } كل فرقة من اليهود تخالف الأُخرى قلبًا وقولا ، وقيل: الضمير للنصارى واليهود لذكرهم في { لا تتخذوا اليهود والنصارى } وفى لفظ أَهل الكتاب ، فمنهم مجبرة ومنهم قدرية ومشبهة ومجسمة ومرجئة كما أَن النصارى ملكانية ونسطورية وماردانية وهم على ذلك حتى في عهد رسول الله A ونزول القرآن ، وزادت النصارى أنهم على ذلك حتى في عهد نزول الإِنجيل بخلاف فرق هذه الأمة فإِنها لم توجد في زمان نزول القرآن بل بعد رسول الله صلى الله عليهوسلم ، والبغضاء في القلب والعداوة فالبغضاء موجودة ، وليس كلما كانت البغضاء فالعداوة موجودة ، فالعداوة أَخص من البغضاء ولك عدو مبغض وقد تبغض من ليس عدوا ، ومن تلك العداوة بين اليهود والنصارى لا يرى جند يهوديون ونصرانيون مجتمعين على قتال المسلمين { كلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا للحْربِ } كلما شددوا شرا من جوع وأَموال ومكر وحيل وشجاعة يلقون به رسول الله A والمسلمين { أَطْفَأَهَا } أَبطلها كما تطفأ النار بالماء . . { اللهُ } بإلقاء البأْس بينهم وتفرق الناس غنهم ، وكذلك قبل النبي A لما خالفوا التوراة وقتلوا الأَنبياءَ سلط الله عليهم بخت نصر من بابل قتل كبارهم وسبى صغارهك وأَحرق التوراة وأَخرب بيت المقدس ، وذلك حين حبسوا أَرمياءَ وقتلوا يحيى وقيل شعيا ، ثم أَفسدوا بقتل يحيى أَو أشعياءَ على ما مر فسلط الله عليهم قطرس الرومى ، ثم أَفسدوا بقصد قتل عيسى فسلط عليهم المجوس ثم أَفسدوا فسلط عليهم الروم إِذ ردت لهم الغلبة على المجوس ثم سلط الله المسلمين عيهم وعلى الروم فقتلوا قريظة وأَجلوا النضير وبنى قينقاع ، وأسر أَهل خيبر وزاد لهم أَهل وادى القرى ، وضرب على أَهل الذمة الجزية ، وقيل: جاء الإِسلام وهم تحت المجوس ، ووجهة أن حيث غلبت الروم الفرس وهم مجوس كانوا تحت المجوس كما كانوا من قبل حتى تغلب المسلمون على الفرس مع أَن من كان منهم في أرض الروم فهو تحت الروم ، وقيل الآية على العموم لا يقاتل اليهود قومًا إِلا غلبهم القوم كفارًا أَو مسلمين ، وأَشار إِلى تلك الإِفسادات وغيرها بقوله { وَيَسْعُونَ فِى الأَرضِ } أَى أَرض كانوا أَو في أَرضهم { فَسَادًا } مفعول يسعون لتضمنه معنى يكسبون ففيه مبالغة بأَنهم راغبون في الفساد كالرغبة في جمع المال ، أَو يسعون سعى فساد أَو اسم مصدر أَى لأَجل الإِفساد أَو ذوى إِفساد ، وذلك أَنهم يجتهدون في الكيد على المسلمين وإِثارة الحروب وهتك الحرم ، أَو يسعون بمعنى يفسدون أَى يفسدون فسادا أَى إِفسادا { واللهُ لاَ يحِبُ المفْسِدينَ } أَى يجازيهم شرا عمومًا فيدخل هؤلاء بالأولى ، أَو المراد من عهد أَظهر لهم ليصفهم بالإِفساد فيدخل غيرهم بالإِلحاق لعلة الإِفساد .