فهرس الكتاب

الصفحة 839 من 6093

لكل إِلى جنب العلا حركات ... ولكن عزيز في الرجال ثبات

ومن تراخى الرتبة فأْولاها ترك المحرم خوف العقاب أَو رجاءَ الجنة ، وبعده ترك الشبهات أَن لا يقع في الحرام ، وبعد هذا ترك بعض المباح تحفظًا عن الخسة وتهذيبًا عن دنس الطبعن أَو مرتبة خلوه ثم مرتبة اجتماعه مع الناس ثم مرتبة خلوه مع ربه ، يستعمل التقوى والإِيمان فيهن ، أَو مرتبة الإِيمان التقليدى ثم اليقينى ثم العيانى ، أَو التقوى الأُولى ترك الحرام والثانية الدوام عليه والثالثة انتفاء الظلم ، وفي الحديث: الإِحسان أَن تعبد الله كأّنك تراه فإِن لم تكن تراه فإِنه يراك ، والتقوى تتبين في الأَمر الصعب ، وفى الأَمر السهل فاختبر الله في السهل المسلمين بتحريم الصيد وهم محرمون مع رسول الله A بالعمرة وقت الحديبية ، وكثر عليهم حتى كان يقع في رحالهم ويتمكنون في أَخذه باليد والضرب بالسيف والطعن بالرمح كما اختبر بنى إِسرائيل بتحريم صيد البحر في السبت وأَرسله عليهم حتى كان يغطى وجه الماء كما قال:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَئٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ } فالآية نزلت قبل الحديبية وجعلت في هذا المحل ، والسورة مدنية ، إِلا { اليوم أكملت لكم دينكم } إِلخ ، فمكى ، وقيل: نزلت في حجة الوداع بين مكة والمدينة ، أَى والله لا يعاملكنكم معاملة المختبر بتحريم شئ ثابت من الصيد البرى ، أَى هو الصيد البرى أَو بعض مطلق الصيد ، والبعض هو البرى والصيد بمعنى الوحش ، والمراد المأَكول وغير المأكول لا بمعنى الاصطياد ، لأَن الوصف بأَنه تناله الأَيدى والرماح لا يناسبه متبادر أَو لو احتمله ، بمعنى تحصل الأَيدى والرماح اصطياده ، وعن ابن عباس: الذى تناله الأَيدى فراخ الطير وصغار الوحش والبيض والضعيف بمرض أَو غيره ، والذى تناله الرماح الكبار الصحاح ، وقيل: الذى تناله الأَديى والرماح صيد الحرم لأَنه يأْنس بالناس ولا ينفر كما ينفر باحل ، وقيل: ما قرب وما بعد ، وذكر بعض أَنه خص الأَيدى بالذكر لأَنها أَعظم تصرفًا في الاصطيادِ ، وفيها تدخل الجوارح والحبالات وما عمل بالأَيدي من فخاخ وشباك ، وخص الرماح بالذكر لأَنها أَعظم ما يجرح به الصيد ، ويدخل فيها السهم ونحوه { لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخَافَهُ بِالغَيْبِ } أَى ليعلم أَولياءَ الله أَو جند الله ، فالتجاوز بالحذف أَو العلم مجاز في معنى التمييز ، لأَن العلم بالشئ يستلزم تمييز ذلك الشئ ، وتمييزه بكسر الياء مستلزم لظهروه ولتميزه بضم الياء أَو علمه سبب لإِظهاره وإِظهار سبب لظهوره فذلك مجاز لغوى بمرتبتين ، أَو المعنى ليعاملكم معاملة من يمتحن الشئَ ليعلمه ، أَو المعنى: ليتعلق علمه الأَزلى بمن يخاف ، فالحدوث في التعلق لا في العلم ، فالمتجدد المعلومات وحدوثها لا العلم ، فالعلم مجاز عن تعلقه بالمعلوم على طريق الملزوم ، أَو السبب وإِرادة اللازم أَو المسبب ، أَى ليتعلق علمه الأَزلى بوجود الخائف من عقابه تعلقه به قبل وجوده بأَنه سيوجد ، وعلمه أَزلى ذاتى لا يتجدد؛ لأَن صفته هو ، والغيب غيب عقابه أَو عدم مشاهدته الله فمن خاف مع الغيب فهو قوى الإِيمان ، مع أَن الصيد ليس بأَمر حقير قليل كما أَشار إِليه بقوله بشئ ، فمن لم يثبت عند الأَمر الحقير فكيف يثبت عند العظيم ، وذلك لضعف إِيمانه فيرتكب المحذور فيعاقب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت