وقول الشاعر:
وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى ... فذلك إِيحاء من الله بقدر وتسوية ، والعطف على خلق السموات والأَرض لا على الحمد لله ، وفى الجعل تحصيل شئ من شئ ، أَو تصييره إِياه ، أَو نقل منه إليه ، ولذلك سلط على قوله { الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ } إِذ لم تقم الظلمة والنور بأَنفسهما كما زعمت المجوس الثنوية أَن النور والظلمة قائمان بأَنفسهما غير مخلوقين وأَن خالق كل خير النور وكل شر الظلمة ، ومن المجوس من قال: النور خلقه هرمز ، أَى الله ، والظلمة خلقها الشيطان ، ومن المجوس من قال: يزدان خلق النور وهو الله ، وهرمز خلق الشر ، وهرمز في هذا القول الشيطان ، والآية رد عليهم ، والله خالق كل شئٍ إِلا أَنه خص الحقيقة ، حتى أَنه قيل: شملت نور العلم والإِيمان وظلمة الجهل والكفر ، كما شملت نور الشمس والقمر والنجوم والنار ، وكل ما له نور ، وظلمة الليل والكسوف والخسوف . وقيل: الأَجرام النيرة كالكواكب لا ضوءَ لها ولا ظلمة ، وجمع الظلمة لكثرة الأَجرام الحاصلة لها ، وكثرة أَسبابها ، وهو تحلل الجرم الكثيف بين النير والمحل المظلم وكل جرم له ظل وهو طلمة ، بخلاف النور فإن سببه ليس إِلا النار والكواكب ، بل قيل: الكواكب وكل نير من النار ، أَلا ترى أَن الضوءَ القوى حار ، كما قيل الكواكب نورية نارية ، وأَن الشهب تنفصل عنها ، والنور يدركه البصر أَولا وبواسطته يدرك سائر المبصرات ، والظلمة عدم النور فيما يقبله ، وقيل: الكيفية الوجودية المضادة للنور استدلالا بقوله تعالى: وجعل الظلمات والنور ، كما أَن الأَعدام غير مخلوقة ، قلت: الحق أن الأَعدام التى بعد الأَزل المنبئة على وجود ضدها الثابتة بفقد ضدها وجودية مخلوقة كالظلمة بعد النور ، والأَعدام الصرفة غير وجودية فلم تخلق ، وأَما كثرة الظلمة بمعنى الضلال ، وقلة النور بمعنى الهدى ، فلأَن الهدى واحد ، ووجوه الضلال متعددة ، والظلمة عرض يضاد النور ووجودى بدليل الجعل في الآية وقدمها لتقدم الأَعدام على الملكة ، أَعنى الوجود . والظلمة سابقة على النور ، { ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } عطف على الحمد لله ، لأَن المعنى أن الله حقيق بالحمد على صفاته وأَفعاله ونعمه ، وهو لم يوفوه حقه في الحمد ، بل الذين كفروا عدلوا أَى سووا به غيره مما ليس له ذلك الوصف وما معه من الأَوثان وغيرها ، وثم لبعد ذلك عقلا وشرعا مبالغة في ذمهم ، كما بالغ فيه بتقديمه تحقيقا للاستبعاد ، وبالإظهار في موضع الإِضمار تحقيقا لاستبعاد أَن يكفر بمن هو رب منعم قادر ، أَو تعلق الباء بكفروا ويقدر مثله ليعدلون ، أَو يقدر يعدلون عنه أَى يميلون ، والكفر بمعنى الإِراك ، وبمعنى كفر النعمة ، والآية دليل على التوحيد ، والتى بعدها إِلى قوله { تمترون } دليل على البعد .