وذلك إِخبار بتعلق علمه وحده بما غاب عن خلقه ، وأَخبر بتعلق علمه بما يشاهدونه في الجملة بقوله { وَيَعْلَمُ مَا فِى البَرِّ والْبَحْرِ } من الأَجسام ، وفىمفاتح الغيب أَجسام وأَعراضها ، البر الأَرض مطلقًا ، والبحر الماء المغرق ، البحر المحيط وسائر البحار المالحة ، وقيل: البحر الماء المغرق ولو حلوًا . وقيل: البر الصحراء والبحر خلافه . وقيل: البر القفار والبحر كل قرية فيها ماء ولا يتبادر . والصحيح ما ذكرت أَولا . وذكر خصوص الأَعراض والأَحوال بقوله { وَمَأ تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا } إِلخ ، فإِن السقوط والرطوبة واليبس وتوفيهم بالليل وكسبهم بالنهار مثلا من الأَعراض ، وهو أَحوال ، وخص سقوط الورقة دون سائر الأَحوال المناسبة لأَحوال التوفى الآتية ، ولأَن التغير في الورقة أَظهر ، ولأَن العلم بالسقوط مما يغفل عنه يستلزم العلم بما يعتنى به ، وما تتغير ورقة من حال إِلى حال إِلا يعلمها ، وجميع الأَرض إِما أَرض خاصة أَو أَرض عليها ماء مغرق ، وفى كلتيهما عجائب الصنع تدل على كمال قدرته وسعة علمه مثلا ، أَو البر المفازة التى لا ماء فيها ولا نبات والبحر القرى والأَمصار ، والجمهور على الأَول ، وفى علمه بسقوط الورقة ونحوه وبما في البر والبحر المقرونين بأَل الاستغراقية ، أَى جميع البر والبحار ، ومبالغة في إِحاطة علمه بالجزئيات ، وتلويح بعلم العرش والكرسى وغير ذلك ، والأَرضين كلهن ، وقد يدخل في لفظ البر وبعلم أَجزاء الأَرضين والبحار ، وجملة يعلم حال من ورقة ولو نكرة لتقدم النفى واستغراقها بمن نصا { وَلاَ حَبَّةٍ في ظُلُمَاتٍ } نعت حبة ، وظلمة الأَرض داخلها الذى هو خلاف ظاهرها ، وقيل: ما تحت الصخرة تحت الأَرضين ، وقيل: ما هو في ظلمة من ظلمات الأَرض مثل جاخل البيت الذى لا ضوءَ فيه ، وما تحت حجر أَو ساتر غيره ، وحالها ليلا ، وقيل: بطن المرأَة أَو غيره من الجنين { الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ } فى ظلمات الأَرض ، أَو مطلقًا معطوفات على ورقة ، أَى وما تسقط من حبة في ظلمات الأَرض ولا رطب ولا يابس { إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُبِينٍ } يتعلق بمحذوف حال من الثلاثة ، كأَنه قيل: ولا تسقط حبة في ظلمات الأَرض ولا رطب ولا يابس إِلا يعلمهن ، فإِن ما في اللوح المحفوظ المعبر عنه بالكتاب المبين معلوم لله جل وعلا ، وكذا إِن فسرنا الكتاب المبين بعلمه تعالى ، وذلك أَولى من دعوى أَن قوله إِلا في كتاب بدل مطابق من قوله إِلا يعلمها إِن فسر بالعلم ، وبدل اشتمال إِن فسر باللوح إِذ لا يتصور إِبدال الظرف من الجملة الفعلية ، ولا بدل اشتمال بلا رابط ، ويجوز كون حبة مبتدأ مجرورًا بمن زائدة محذوفة لدلالة ما قبل ، وفى كتاب خبره فلا ينسحب عليهن السقوط ، وقد ضعف بعض انسحابه عليهن حين أَعربن بالعطف على ورقة .