قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف أَو دم مهراق
والترتيب على ظاهره ، وللرتبة فإِن التملك والتصرف في الملك إِنما هو بعد خلق السماءِ والأَرض . وأَما قبل خلقهما فلا يصدق أَنه ملكهما وتصرف فيهما ، وإِن فسرنا العرش بالجسم العظيم فثم للترتيب الذكرى والرتبى ولا تراخى في ثم هنا ، ويجوز رد ضمير استوى إِلى الخلق ، ومعنى استوائه على العرش انتهاؤه به ، ولم يخلق فوقه شيئا ، ومن فسر الاستواءَ بظاهره كفر لأَن ذلك من صفات الأَجسام والله غير جسم ولا عرض ولا جوهر ، وزعم قومنا أَنه يجب الإِيمان بالعرض والوقوف في معناه { يُغْشِى اللَّيْلَ النَّهَارَ } يجعل الليل غاشيا النهار ، وفى الآية حذف أى ويغشى النهار الليل أى يجعل النهارغاشيًا الليل ، وفى الآية تجوز في الإِسناد بإِسناد ما لمكان الشئ إِلى الشئ ومكانه هو الهواء على معنى أن الهواءَ مكان للضوءِ لا مكان للنهار لأَن الزمان لا مكان له ، أو استعارة بأَن يجعل غشيان مكان النهار وإِظلامه بمنزلة غشيانه لنفس النهار فكأَنه لف عليه لف الغشاء ، ويشبه تغيبه بطريانه عليه بستر للملابسة ، وما ذكر أَولا من المنصوبين هو الفاعل في المعنى لا الثانى لعدم الدليل ، وذكر المعنيين معا في قوله تعالى يكور الليل إِلخ ، ولا يراد باللفظ الواحد مجموع المعنيين ( يَصْلُبُهُ ) يطلب الليل النهار ، وهنا حذف أَى ويطلبه النهار والجملة حال من الليل أَو من النهار قيل أَو منهما . شبه تعقيب الليل بالنهار بالطالب { حَثِيثًا } طلبا حثيثا ، والطلب من النهار أَظهر حتى قالوا ضوء النهار هو الهاجم على ظلمه الليل ، أَو حال من ضمير يطلب لتضمنه معنى اللازم ، أَى عاجلا ، أَو من الهاءِ باقيا على التعدية أَى محثوثا والمراد السرعة بلا فصل شئ بين الليل والنهار حتى قيل أن بين رفع القدم ووضعها في المثنى السريع تحرك الفلك الأَعظم ثلاثة آلاف ميل وهى أَلف فرسخ ، فهذه عاية السرعة وحركة الشمس بذاتها تتم في سنة وبسبب حركة الفلك الأَعظم تتم في اليوم والليلة ، ولما كان الليل والنهار يحصلان بحركة الفلك الأعظم على أنه العرش ذكر الله D قوله يغشى إِلخ . بعد قوله ثم استوى إِلخ . والغشى للمكان ونسبه للزمان مجازا للملابسة فإن الظلمة والنور يتعاقبان على الأَمكنة ومنها الجور كما مر ، والحق أَن العرش لا يتحرك ولا نسلم أَنه يتحرك { وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ والنُّجُومَ } عطف على السموات ، وذكر الشمس والقمر مع دخولهما في النجوم لشرفهما ، ولأَنه قد لا يفهم دخولهما فيها ، وقدمها لأَنها أَشد ضوءً ، ولأَن نور القمر ولأَنها في السماء الرابعة وهو في الأُولى ، ولأَنه كثير خسفه وقل خسفها ، وقيل يحتمل كون نوره منه بأَن يكون بعضه مضاء فيستضئ باقيه بحسب حركاته مقابلة أو لإضواء ظهره فيتحرك بظهره شيئا فشيئا ، والنجوم تشمل الدرارى الخمس الباقية زحل وعطارد والمشترى والمريخ والزهرة ، وذكر الشمس والقمر فهن سبع ، وزاد بعض الآن وسناوز ونوا وبالاس وسرس أَو أَرنوس ، ويسمى هرشل وهو اسم المنجم الذى ظفر برصده ( مُسَخَّرَاتٍ ) حال من الثلاثة أَى مذللات لما خلقن له من طلوع وأُفول وحركات ورجوع ، وهى حال مقدرة إذّا تم خلقهن طاوعن فيما خلقهن له ، أَو مقارنة أَى يقترن خلقهن بعدم التعاصى عن الخلق فكل جزء مطاوع لخلقه ( بِأَمْرِهِ ) بقضائه وتصريفه ، وأَصله الطلب الجازم ، واختاره تنبيها على عدم تعاصيهن كأَنهن مكلفات عواقل يمتثلن الأَوامر ، وهو مفرد الأَوامر فذلك على الاستعارة ، وقيل أَمره قوله لهن سرن على وجه كذا دائما ، وقيل إِرادته { أَلاَ لَهُ } لا لغيره { الخَلْقُ } الإِيجاد أَو المخلوقات { وَالأَمْرُ } واحد الأُمور أَى كون الخلق على وجه إِرادة من الجائزات كرقة وغلظة ولون حمرة وبياض وطول وعرض وزمان مخصوص وعدد وغير ذلك ، وقيل: الخلق الأَجسام والجسمانيات ، والأَمر الأَرواح والمجردات وكل ما كان جسما أَو جسمانيا خص بمقدار معين ، وما كان بريئا من الحجم والمقدار كان من عالم الأَرواح ، كذا يقال .