والآية نزلت قبل الرجوع من تبوك ، فهى إِخبار بالغيب على تقدير القول ، أَى قائلين والله { لَوِ اسْتَطَعْنَا } ويجوز أَن لا يقدر القول على تضمين يحلفون معنى يقولون ، فلا يتعلق بالله حينئذ ، بيحلفون بل بفعل القسم محذوفا ، أَى يقولون بالله لو استطعنا { لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ } أَى لو استطعنا الخروج معكم لخرجنا معكم ، أَو لو استطعنا قوة بدن أَو مال لخرجنا معكم ، ولو وشرطها وجوابها جواب القسم ، أَو لخرجنا جواب القسم ، وجواب لو أَغنى عنه جواب القسم . { يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ } بدل من يحلفون بدل اشتمال لا بدل مطابق كما قيل ، فإِن الحلف سبب الإِهلاك لانفس الإِهلاك ، وقد يقال إِنه هو لأَن إِيقاعه إِيقاع للهلاك ، أَو حال من واو يحلفون أَو من الفاعل في جرجنا ، وإِهلاك أَنفسهم بالكذب ، قال A: « من حلف بالله كاذبا تبوأَ مقعده من النار » وقال: « اليمين الكاذبة تذر الديار بلاقع » { وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } فى نفيهم الاستطاعة إذ قالوا لو استطعنا لأَنهم مستطيعون ، وفى دعوى أَنهم مؤمنون ، وليس المراد تكذيبهعم بأَنهم لو استطاعوا لم يخرجوا . لأَن في هذا إِثبات عدم استطاعتتهم وهم مستطيعون ، واعتذرت طائفة من المنافقين ، وطلبوا أَلا ينفروا ، فأُذن لهم في التخلف اجتهادا منه بلا نوع مصلحة من الدنيا ، فعاتبه الله بلطف في قوله: { عَفَا اللهُ عَنْكَ } بتقديم العفو عن العتاب تعظيما له لم يقع لغيره وتطييبا لقلبه ، والعفو مؤذن بالإِساءة . { لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ } فى التخلف عنك بقول كاذب ، وهذا بيان لما فيه العفو وهو الإذن لهم ويجوز ألا يكون قلوه عفا الله عنك مشعرا بالإِساءة ، بل بدْءَ كلام بخير إِعظاما له كما تقول لمن لم يسىءْ إِليك: عفا الله عنك ، افعل لى كذا أَو لا تفعل كذا ، وعفا الله عنك ما فعلت في أَمرى ، ورضى الله عنك ما قلت في جوابى ، قال ابن الجهم للمتوكل حين أَمر بنفيهِ:
عفا الله عنك أَلا حرمة ... تجود بفضلك يا ابن الندا
أَلم تر عبدا عدا طوره ... ومولى عفوا ورشدا هدى
أَقلنى أَقالك من لم يزل ... يقيك ويصرف عنك الردى