ومما ورد في صخرة بيت المقدس ، أن المياه تقسم عليها لأهل الأرض .
وأما مشركو العرب فقولهم ، ما ولاهم . . . الخ مجرد طعن ، بأن الانصراف بلا داع ، وأما استقبال الكعبة فحق عندهم { قُل لِّلهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ } وسائر الأرض دخل فيها تعميما للجوانب ، أو كناية عن جميع الأرض ، وذلك أبلغ من أن يقول ، لله الأرض كلها ، وأيضًا في ذكرها تلويح بذكر قبلة النصارى وهى المشرق ، وقبلة اليهود ، وهى المغرب ، وأخره لأن الطلوع قبل الغروب ، ومطابقة لمزيد ظهورها لكونهما مطالع النور والظلمة وكثرة توجه الناس إليهما للأوقات والمقاصد ، ولا بد أنهما سميا لشروق الشمس وغروبها ، لكن إما أن يعتبرا على طول الأرض وعرضها ، وإما أن يعتبرا بمشارق الأرض ومغاربها { يَهْدِى مَن يَشَآءُ } هدايته { إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } هداية توفيق إلى قبول دين الله ، سواء أعمل به ، أو آمن ، وقيل: وعمل الكبائر فهو للنار إن أصرَّ ، فهؤلاء أمة الإجابة ، ومقابلهم من لم يهده التوحيد وقبول الدين ، وهم اليهود والنصارى وكل مشرك ، وهم أمة كفر من جملة أمة محمد A ، كقوم نوح وقوم هود ، وهداية توفيق للسعادة ، وبدل للأول العموم في قوله:
{ وَكَذَلِكَ } الخ ، أى كما هديناكم إلى الصراط المسقيم ، وجعلنا قبلتكم الكعبة لا تنسخ هى ولا دينكم ، وهما أفضل دين وقبلة ، ولو لم تصرح الآية بالأفضلية وعدم النسخ ، لكن ناسبه التفضيل في قوله « جعلناكم أمة . . . الخ » ولا شك أن الكعبة أشرف لأنها قبلة إبراهيم ، وقبلة آدم ، ومن بعد ، وإذا صير إلى السبق فهى أسبق ، لأنها قبل آدم بألفى عام تحجه الملائكة ، ووضع الله بيت المقدس أيضًا لكن بعد الكعبة بأربعين عاما { جَعَلْنَكُمْ } يا أمة محمد { أُمَّةً وَسَطًا } أفضل من غيركم بالعلم ، والعمل من الواسطة التى هى المختار من الجواهر ، أو من الواسطة بمعنى الاعتدال في الشأن ، لأن وسط الشىء مصون ، والأطراف يتسارع إليها الخلل ، ولأنها وسط معنوى ، بين إفراط وتفريط ، والوسط في الأصل اسم لما يستوى نسبة الجوانب إليه كالمركز ، ثم استعير للخصال المحمودة لكونها أوساطا للخصال المذمومة المكتنفة بها من طرفى الإفراط والتفريط ، كالجود بين الإسراف والبخل ، والشجاعة بين الجبن والتهور { لِتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ } أن أنبياءهم بلغوهم ، والمراد بالكاف وواو تكونوا المجموع لا الجميع ، لأن الأشقياء من هذه الأمة لا يكونون شهداء على الناس الذين قبل هذه الأمة { وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ } لكم { شَهِيدًا } بأنكم عدول تقبل شهادتكم على الأمم ، وأنه بلغكم وقبلتم ، كما دل عليه أمة وسطًا وأنكم شهداء ، فله مدخل في التعليل ، بخلاف ما لو فسرنا بمجرد شهادته A ، أنه بلغكم ، فيخص عن الأنبياء بشهادته لنفسه بالتبليغ فتكون على بظاهرها ، فتكون اللام للعاقبة في هذا ، ولو صح التعليل في تكونوا فيجمع فيه بين الحقيقة والمجاز ، أو تجعل لعموم المجاز ، أو تجعل في الأول للتعليل ، وتقدر في الثانى للعاقبة ، أى ، وليكون الرسول عليكم شهيدًا .