تنكر كفار الأمم تبليغ الرسل ، فيقول الرسل ، تشهد لنا أمة محمد A ، فيشهدون لهم بالتبليغ ، فيقول الكفار: كيف يشهدون علينا وهم بعدنا؟ فيقولون: يا ربنا ، أرسلت إلينا رسولا: وأنزلت علينا كتابا فيه تبليغهم وأنت صادق ، فيسأل A عن أمته ، فيزكيهم ، يشهد كل نبى على أمته باكفر بما بلغها « فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد » فتكذبه الأمم ، فتشهد له هذه الأمة ، وشهادته A بعدالة أمته الشاهدين للأنبياء شهادة على كفار الأمم « وجئنا بك على هؤلاء » أى كفار الأمم ، شهيدًا .
وعن أبى سعيد عنه A: يجىء النبى A يوم القيامة ومعه الرجل ، أو النبى ومعه الرجلان وأكثر ، فيدعى قومه ، فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا ، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم ، فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته ، فيدعى محمد وأمته ، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم ، فيقال: وما أعلمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا A فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا ، فذلك قوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا . الآية .
وفى رواية ، فيؤتى بمحمد A فيسأل عن حال أمته ، فيزكيهم ، ويشهد بعدالتهم ، وذلك قوله تعالى: ويكون الرسول عليكم شهيدًا: { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ } وهى الكعبة في نفس الأمر { الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا } قبل ، كانت قبلته حين كان بمكة الكعبة ، ولو كان يجعلها بينه وبين بيت المقدس ، واستقبل المقدس في المدينة ستة أو سبعة عشر شهرا ، بأمر الله تأليفا لليهود ، ثم حوله للكعبة . فالتى مفعول ثان لا نعت على المختار ، أو ما جعلنا القبلة في المدينة قبل التحويل أو ما جعلنا القبلة التى كنت عليها قبل الهجرة قبلة ، أو ما جعلنا القبلة التى كنت عليها بعد الهجرة قبلة ، فالمفعول الثانى محذوف ، والتى نعت { إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ } محمدًا A علم ظهور ، أو ليظهر علمنا ، أو نعاملهم معاملة المختبر ، وعلم الله أزكى ، لكن لا يخفى عنه وقع الشىء ووقته وتفاصيله ، لأنه الخالق له؛ أو ليعلم رسولنا أو عبادنا الصالحون ، فحذف المضاف ، أو أسند لنفسه ، لأنهم خواصه ، وفى ذلك تعظيم لهم ، أو لنميز مع يتبع الرسول للناس ، والعلم سبب للتمييز وملزوم له ، فإن العلم صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض ، أو لنجازى الطائع والعاصى ، وإنما يكون الجزاء ممن علم طاعة الطائع وعصيان العاصى ، والمراد بالاتباع البقاء على اتباعه فيما مضى وفيما يحدث من القبلة وغيرها { مِمَّن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ } يكفر بعد الإيمان ، بسبب تبدل القبلة كفرًا شبيهًا برجوع الماشى إلى ورائه ، يظن أنه A في حيرة من أمره ، وقد ارتد لذلك الظن جماعة { وَإِن } إنه أى الشأن { كَانَتْ } أى التولية المعلومة من قوله ، ما ولاهم ، أو القبلة ، أو التحويلة ، أو الردة إلى الكعبة .