{ رَبِّ } يا رب { قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ الْمَلْكِ } بعض الملك ، وهو مُلك مصر ، أَو قد آتينى من الملك ملكًا عظيمًا ، والمصود بالذات توفنى مسلمًا وأَلحقنى بالصالحين ، ولكن قدم الثناءَ على الله والشكر على النعم السابقة توسلا بها إِلى اللاحقة { وَعلَّمْتَنِى مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ } تفسير المرائِى أَو الكتب { فَاطِرَ السَّمَواتِ وَألأَرْضِ } صفة لرب أَو نداءَ آخر يا فاطر السموات والأَرض { أَنْتَ وَلِيَّى } متولى أُمورى وناصرى { فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } تعاملنى فيهما بالنعم وإِزالة النقم { تَوَفَّنِى } أَمِتْنِى { مُسْلِمًا } إِذا جاءَ أَجلى ، فهذا طلب لأَن يكون موته على الإِيلام لا طلب للموت ، قال الحسن: عاش بعد هذا الدعاءِ سنين كثيرة ، أَو توفنى الآن ، روى أَنه لم يتم الأَسبوع ، قال قتادة: لم يسأَل نبى الموت إلا يوسف ، وفى رواية عنه: لم يتمن نبى قبله الموت ، وكثير من المفسدين على هذا القول من طلب الموت في حين لكن تمنيه الموت بعد تخيير الله له لقول عائشة رضى الله عنها عن رسول الله A: « لم يقبض نبى حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير » ، قاله ابن مالك في شرح المشارق عند قوله A: « إن الله خير عبده بين الدنيا وبين ما عنده » ، والحديث في البخارى ومسلم ، وعنه A: « لا يتمنين أَحدكم الموت لضر نزل به » قيل هو نهى تنزيه ، وفى الحديث لكن يقول: « اللهم أَحينى ما كانت الحياة خيرا لى » ، وطلب الوفاة على الإِسلام مع علمه أَن كل نبى لا يموت إِلا كذلك ذهولا أَو إِظهارا للعبودية ورغبة وتعليمًا للغير وانفساحًا للقلب وانشراحا واطمئنانا { وَأَلْحَقْنِى بالصَّالِحِينَ } إِبراهيم وإسحق ويعقوب وإسماعيل في درجاتهم لا في تدرحة الصلاح فإنه فوقها ، وهى أولى درجات المؤمن فتوفاه الله مسلمًا وألحقه بهم ، وتخاصم أهل مصر في مدفنه حتى همو بالقتال ، فاتفقوا أَن يدفن في أعلى النيل من جهة الصعيد حتى تجرى عليهم بركته كلهم ، وجعلوه في صندوق من رخام لا من حجر الزند ، وحمله موسى إلى الشام حين خرج من مصر وعمره مائَة وعشرون سنة ، وولد له من راعيل إفرايم وميشا جد يوشع ورحمة امرأة أيوب ، ويروى أنه جعل في تابوت من رخام ودفن في أَيمن النيل فأَخصب وأجدب الأيسر ، ثم دفن في الأيسر وهو الشرقية فأَخصب وأَجدب الأيمن فدفنوه في وسطه بالسلسة فأخصب الجانبان ، ولما أمر الله تعالى موسى عليه السلام بالخروج من مصر إلى الأرض المقدسة أظلمت الدنيا فأوحى الله إليه أن احمل معك يوسف ، ولم يكن علم بقبره عند أحد إلا عند عجوز ، فشرطت أن تكون لموسى زوجا في الجنة ، فتوقف موسى فأوحى الله - D - إليه أَن قل نعم ، فأخبرته أنه في موضع كذا من النيل في وسطه ، وروى أنها بنت من ذرية يعقوب وأنها شرطت عليه أيضًا أَن تثبت كما شبت فدعا فكانت كلما بلغت خمسين صارت بنت ثلاثين ، وعاشت ألفا وستمائة ، فحمله موسى في تابوته ودفنه في الأرض المقدسة .