{ وَالْبَغْىِ } تطاول الإنسان بما ليس على غيره في بدنه أو ماله أو عرضه ، خصه بالضكر لمزيد عظمه .
{ يَعِظُكُمْ } بالأمر والنهى المذكورين ، والجملة مستأنفة لتعم ، ولو جعلت حالا من فاعل بأمر أو من فاعل بنهى لكان قيدًا له فقط ، ولا وجه لكونه حالا من فاعلها لاختلاف عاملها ، ولا حاجة إِلى تقدير مثله لأحدهما .
{ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } تتعظون ، قال ابن الأثير في المستدرك: هذه أجمع آية في القرآن للخير والشر ، قال الحسن البصرى: أمرت بكل خير ، ونهت عن كل شر ، قال ابن عباس رضى الله عنهما: إنه قال عثمان بن مظعون رضى الله عنه: ما أسلمت أولا إلا حياء من رسول الله A ، ولم يتقرر الإيمان في قلبى ، فحضرته ذات يوم ، فبينما هو يحدثنى إذ رأيت بصره شخص الى السماء ، ثم خفضه عن يمينه ، ثم عاد لمثل ذلك ، فسألته فقال: « بينا أحدثك إذ جبريل نزل عن يمينى فقال: إن الله يأمر بالعدل » إلخ فوقع الإيمان في قلبى ، وقال: إن في هذه الآية لحلاوة ، وإن في القرآن لطلاوة ، وإن أعلاه لثمر ، وأسفله لغدق بغين معجمة ودال مهملة أى كثير الماء أسفله ، وما هو بكلام البشر ، بل هو كلام خالق القوى والقدر .
وكان بنو أمية يلعنون عليًّا في المنابر ، ولم تولى عمر بن عبد العزيز قطع ذلك في كل بلد ، وجعل مكانه: { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } الآية ، فكان له على ذلك مدح عظيم ، وقبول وهو حق ، لأن اعتياد الشتم والإكثار منه ليس عبادة ، ولا سيما ما كان انتقامًا وجهالة وبغيًا على المتقدم بالخلافة ، وإنما أتمنى قطع ذلك ولو كن تورية ، إذ كان مؤذن المالكية يقول: شتما لأصحابنا بتعريض وتورية بهم ليلة كل جمعة ، من أبغض معاوية فأمه هاوية ، مع أن عليا ومعاوية متباغضان ، ويقول: من أبغض عليًّا فخصمه النبى ، وكل من معاوية وعثمان أبغضا عليًّا وأبغضهما على ، ويقول: من أبغض عثمان فأمه النيران ، وعلىّ يبغضه .
بلغ أكثم بن صيفى أمره A فأرسل إليه رجلين فقالا له: مَن أنت وما جئت به ، قال A: « أنا محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله » ، وتلا: إن الله يأمر بالعدل إلخ قال: ردِّد علينا ، فردده حتى حفظناه ، فأخبرا به أكثم قال: إنى أراه يأمر بمكارم الأخلاق ، وينهى عن مذامها ، فكونا في هذا الأمر رأسا لا أذنابًا ، رواه أبو نعيم ، عن عبد الملك بن عمير ، وفعل الأمر ، ولام الأمر ، واسم فعل الأمر والمصدر النائب عنه الأصل فيهن الوجوب .
وأما لفظ أمر ، ويأمر ومر والأمر ، موضوع للقدر المشترك بين الوجوب والندب ، ولو لم يكن في القرآن إِلا هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شئ وهدى ورحمة للعالمين ، ولعل الله نبه على هذا بإيرادها عقب قوله: